الدبلوماسية

من دروس غازي القصيبي

قلة من الأشخاص الذي لست بحاجة للتعريف بهم أكثر من الاسم الأول والأخير، والأندر من هؤلاء، أن يُعرف بأسمه الأول وحسب. فأذا أتفقنا أن هنالك أبوبكر واحد فقط، ومعاوية، والملك عبدالعزيز، وشكسبير وتشرشل وميكافيلي وصلاح الدين، إذا هنالك غازي منفرد. السفير والأكاديمي. الشاعر والأديب والوزير، رجل النهضة منذ السبعينات إلى حين وفاته رحمه الله وهو على رأس الوظيفة وزيراً للعمل. فمن ذا يجهل غازي ؟!

له نتاج فكري متعدد وثري في الشعر والقصة والرواية والإدارة والصحافة، قلما تجد أحداً يبغتي النجاح المهني لم يقرأ لغازي. وكوني معجب صغير في فلك جمهوره، أحببت أن اقتنص من تجربة السفير “القصيبي” في كتابه حياة في الإدارة،  وأقطف منها بضع دروس وملاحظات ونصائح للدبلوماسين؛ النشء منهم والمخضرمين ، لعل أحد من القراء يهتدي بها أيضاً.

(١) من المهم الا يتم تعيين السفراء السياسيين لمجرد مكافاة الشخص، يجب أن يظل الأساس هو الاستعانة بالسفراء المحترفين، وأن تبقى نسبة السفراء السياسييين ضمن حدود مقبولة، الربع على أكثر تقدير.

(٢) مهمة السفير في الدولة الصديقة، غير مهمة السفير في الدولة العدوة، غير مهمته في الدولة الصديقة التي توشك أن تصبح عدوة، أو الدولة العدوة التي توشك أن تصبح صديقة.

(٣) يُحسن بالدولة أن توفد الى الدولة المحافظة رجلاً محافظاً، وأن توفد الى الدولة العدوة رجلاً صلب المراس، وأن ترسل الى دولة “الجهات المختصة” رجلاً من “الجهات المختصة”.

(٤) أن الحكم على سفير ما بالنجاح أو الفشل أمر صعب، وقد يكون مستحيلاً.

(٥) لا يوجد سفير لكل الفصول.

(٦) لا يبدو من عمل السفير أمام الناس سوى جزء بسيط شبيه برأس الجبل الجليدي العائم على الماء.

(٧) يسمع الإنسان العادي تعبير “السفير المفوض فوق العادة” مما يوحي بأن هناك “سفراء عاديين وسفراء فوق العادة” . حقيقة كل السفراء متساوون قانوناً، وتعبير “فوق العادة” إرث من الماضي لم يعد له الآن أي معنى.

(٨) مهمة السفير في كل الظروف والأحوال أن ينقل بأمانة ووضوح موقف دولته بصرف النظر عن ردود الفعل التي يتلقاها. السفير الذي يتطوع “بتجميل” هذا الموقف يفرط في الأمانة. والسفير الذي يقول لمضيفيه ما يريد مضيفوه أن يسمعوه يتخلى عن الأمانة نهائياً. 

(٩) لا توجد خصلة تضر بعمل السفير مثل الكذب.

(١٠) لا ينبغي لعواطف السفير الشخصية، وهو إنسان يحب ويكره كسائر البشر، أن تدخل، على أي نحو، في أداء مهمته.

(١١) على السفير أن ينسى، تماماً، وضعه الوظيفي السابق في دولته، وأن ينسى، كلية، وضع زملائه السفراء الوظيفي في دولهم، وأن يتعامل مع الجميع من منطلق المساواة التامة بلا مُركب عظمة أو مُركب نقص.

(١٢) في كل مهنة هناك خطر مهني، وخطر الدبلوماسية المهني هو الحساسية.

(١٣) لا تسمح أن تلحق أي إهانة بدولتك ولكن تذكر أن الإهانة بطبيعتها عمل مقصود.

(١٤) قبل أن تفكر في تقوية العلاقات الثنائية حاول جهدك ألا تسيء إليها.

(١٥) عندما يكون عدد الموظفين صغيراً فلا مبرر لتعقيد الوضع بتنظيم هرمي.

(١٦) لو أستجبت لكل دعوة تصلك ستجد نفسك تعمل كل يوم حتى منتصف الليل.

(١٧) معظم الذين يوجهون الدعوات الى السفراء يرسلونها بطريقة روتينية دون أن يتوقعوا حضورهم، أو حضور معظهم.

(١٨) اقبل عدد صغير من الدعوات كحفلات اليوم الوطني، ومآدب الدولة الرسمية، والمناسبات التي تحتوي على عنصر وطني، كإفتتاح شركة وطنية – محلية.

(١٩) في الولايات المتحدة لا بد أن يبدأ الخطاب، كل خطاب، بطرفة أو تعليق طريف، وفي اليابان يستسخف الناس محدثاً يلقي عليهم النكت.

(٢٠) لا تقابل أحداً الا بموعد مسبق، ماعدا من كان بحاجة فعلية إلى المقابلة. في هذه الحالة يحدد له موعد على الفور.

(٢١) من التقاليد الجيدة أن يكون لكل سفارة ديوانية للسفير يجتمع فيها الكل في جو بعيد عن العمل، واتاحة فرصة للمواطنين مقابلة السفير بلا موعد.

ختاماً، الكثير منا لم يعرف غازي إلا من خلال ما نشره بنفسه، وهي مقالات وكتب، تحتوي على وصايا ثمينة كالمصباح في دروب العتمة، ولكن العتب كما هو الرجاء على من عايش السفير في محطاته المختلفة -وهم بدون شك العشرات من رجالات الدولة اليوم- بأن لا يتأخر في مشاركتنا نحن عموم الجمهور، فيما قد أطلع عليه واستفاد منه وأهتدى به من مدرسة غازي القصيبي.

خارج النص

كيف تعمل الأقدار

ملاحظات حول دور الصدف الصغيرة : الحصان مهلهل أنموذجاً

لا أذكر من القائل بأن الحياة عبارة عن سلسلة من الأحداث الصغيرة تقود إلى نتائج عظيمة! ربما كانت تأثير الفراشة وهو مصطلح فيزيائي وفلسفي يحاول تفسير كيف أن حدث قد يكون بسيطا في حد ذاته، لكنه يولد سلسلة متتابعة من النتائج والتطورات المتتالية والتي يفوق حجمها بمراحل حدث البداية، وبشكل قد لا يتوقعه أحد، وفي أماكن أبعد ما تكون عن التوقع! لا بد أنك مررت بمثل هذا الموقف حينما قرأت في سيرة شخص ما، أو مررت بحكاية عن دور مفصلي في حياة أحد أو مجتمع أو حتى دولة، وكانت نتيجة لحدث صغير قد تعتقد للوهلة الأولى أنه غير مهم، ولكنك  في نهاية الأمر لن تتصور تلك النتيجة .الهائلة بدون تلك الاحداث الصغيرة المترابطة  

فمثلاً الكثير يعلم أن سبب اشتعال الحرب العالمية الأولى لم يكن غزو دولة لدولة أخرى- كما حدث في الحرب العالمية الثانية مع طموحات هتلر- وإنما كان لاغتيال ولي عهد النمسا آنذاك على يد متطرف صربي في سيراييفو؛ والذي قاد إلى سلسلة سريعة من الأحداث أدت إلى نشوب الصراع الأوربي الدموي. وهذا لم يكن لولا أن ولي عهد النمسا قُتل، ولم يكن ليقتل بتلك الطريقة لولا خطأ السائق ! فولي العهد سبق وأن تعرض لعدة محاولات اغتيال، آخرها كان في نفس المدينة أثرانفجار قنبلة بجانب سيارته، والذي أصيب فيه مساعده واقتيد إلى المستشفى لتلقي العلاج. وعوضاً عن استدراك الخطر والعودة إلى العاصمة أصر على زيارة مساعده بالمستشفى، فما كان من السائق إلا أن سلك منعطفاً خاطئاً، وبالمصادفة تواجد أحد الذين حاولوا .قتله في المرة الأولى، والذي تعرف على الأمير فأطلق عليه النار وقتله

إذ لم تشعر بتأثير الفراشة هنا، فلربما سوف تظن بأن جندي بريطاني تسبب في مقتل ٦٠ مليون شخصاً أبعد ما تكون عن المنطق ! ففي الأيام الأخيرة للحرب العالمية الأولى عام ١٩١٨م، أقدم الجندي البريطاني “هنري تاندي” على العفو عن جندي ألماني في فرنسا؛ إثر انهزام الألمان، حيث شاهد” تاندي” جنديًا ألمانيًا جريحًا يهيم مذعورًا، فصوّب سلاحه نحوه كي يقتله، “لكنه شعر بالأسى للجندي فتركه يفر، وقد أومأ الأخير ممتناً لـ”تاندي”. كان ذلك الجندي الألماني المذعور هو “أدولف هتلر

أَثر الفراشة
أَثر الفراشة لا يُرَى
أَثر الفراشة لا يزولُ

هو جاذبيّةُ غامضٍ
يستدرج المعنى، ويرحلُ
حين يتَّضحُ السبيل

محمود درويش

وأنا أقرأ في كتاب “ فوزان السابق “ – وهي محاولة جادة من المؤلفة حصة البريدي لسبر أغوار أحد الشخصيات المهمة في عهد تأسيس المملكة، وأول وكلاء وممثلين الملك عبدالعزيز خارج الحدود الوطنية الشيخ “فوزان السابق” وكيل الملك عبدالعزيز في دمشق ومصر – مررت على قصة صداقة الشيخ فوزان مع رجل الأعمال الأمريكي” تشارلز كرين” التي شكلت فاتحة خير على المملكة العربية السعودية، حيث أدت إلى اكتشاف بئر (٧) في الدمام، الذي تدفق منه كمية نفط هائلة ؛غيرت المملكة إلى “.الأبد. هذا الاكتشاف العظيم ربما لم يكن لولا الحصان الذي يُدعى “مهلهل !!

هنالك عدة روايات إحداها تقول بأن المستر “كرين” كان محباً وهاوياً للخيل الحربية ، وقام بزيارة مصر المشهورة بسباقات الخيل العربية، وبتوصية من المفوض الأمريكي في القاهرة حضر لزيارة الشيخ “فوزان السابق”، الذي أحتفى به واستعرض ؛أمامه أسطبل خيله. وما أن شاهد مستر “كرين” الحصان “مهلهل ” الذي كان أثيراً لدى الشيخ ، حتى انبهر ولم يتمالك نفسه فأخرج دفتر الشيكات وطلب من الشيخ وضع القيمة التي يشاء لهذا الجواد، وقد طلب الشيخ فوزان من المترجم أن يخبر مستر “كرين” بأن يدخل دفتر شيكاته، فالجواد هدية له. فدهش “كرين “من تصرف مضيفه، الذي أدخل سروراً عظيماً في نفسه، فأراد أن يرد للشيخ هديته، وبينما كانا يتناولان القهوة في ضيافته قال ” كرين” (أن بلدكم فقير، ولكن لا بد من وجود ثروات معدنية في باطنه، على الأقل الماء ) وأنه يرغب بالمساعدة في البحث عنها. وأعرب عن رغبته في زيارة المملكة ومقابلة الملك عبدالعزيز للحديث في هذا الشأن، فرحب الملك بذلك، واستضافه في جدة لمدة أسبوع وكان أول أمريكي يلتقيه الملك عبدالعزيز ،فعرض على الملك بالسماح له بعمل مسح جيلوجي كامل – بدون مقابل هدية منه على نفقته الشخصية- لبعض مناطق البلاد والتنقيب عن الثروات في باطن الأرض . وبعد موافقة الملك غادر ” كرين” عائداً إلى الولايات المتحدة، وأرسل من هناك إلى الشيخ “فوزان ” قائمة من عشرين خبيراً أمريكياً؛ ليختار أحدهم ليباشر المهمة، ووقع الاختيار على ” كارل س. تويتشل”، الذي قام مع فريقه بزيارة كل من جدة والأحساء، ورفع بذلك تقريراً أن المنطقة ليست ذات غنى بالموارد المعدنية، ولكن هنالك فرصاً جيدة لاكتشاف مكامن نفطية في المنطقة الشرقية. وبعد اجتماعه مع الملك عبدالعزيز طلب جلالته من المهندس العودة إلى الولايات المتحدة، والتعاقد مع أحد شركات النفط المهتمة، ووافقت عليها شركة “ستاندر أويل  أوف” كاليفورنيا التي تولت “التنقيب واكتشاف بئر (٧) في الدمام، و الذي أطلق عليه الملك عبدالعزيز اسم “بئر الخير.

الشيخ فوزان السابق

هنا تسائلت! أين تأثير الفراشة في هذه الحكاية ؟ الحصان مهلهل ؟ أو السيد كرين ؟ أو ربما كرم الشيخ “فوزان “، واكتسابه لصداقة الأمريكي؟ أم هو تجاوب الملك المؤسس لرغبة السيد “كرين” – مع علمه بأن هذا سوف يعني إزعاجاً للسلطات البريطانية، التي تراقب خطوات الملك عبدالعزيز بدقة شديدة آنذاك-  أم للمهندس العبقري”ماكس ستينكي” -الذي أوفدته .شركة النفط الأمريكية-، أو الفضل كله يعود إلى الرجل العامل الذي ضرب الصخرة الأخيرة لتتفجر نوافير النفط من تحتها

خارج النص

١٣

Black cat kitten looking at the camera, isolated on white

يقال أن البحرية الأمريكية لا تحرك أي سفينة عسكرية في مهمة تتوافق مع تاريخ ١٣ من أي شهر ، ولا يرجع ذلك لأي شي عدى أن القائمين على البحرية الامريكية يمثلون ثقافة واسعة في الولايات المتحدة تعتقد بشؤم هذا الرقم٫ وأن قرابة ٢١ مليون أمريكي يعانون من رهاب هذا الرقم، خاصة إذا توافق مع يوم جمعة !

أذكر مصادفتي لهذه المفارقة في أول زيارة لي لمدينة نيويورك حيث خططت للذهاب لبرج إمباير ستيت، المعلم الاسمنتي الشهير في الولايات المتحدة والتي دارت حوله العديد من الأفلام أشهرها (كنغ كونغ) وسرعان ما أقتطعت التذكرة للذهاب الى المصعد المخصص للصعود الى المطل الشهير للبرج ٫ وأنا في خضم الاستمتاع بهذه التجربة تناهي لي تعليقات هامسة من بضعة سواح خلفي بأن ليس هنالك زر للطابق (١٣) في المصعد! وفعلاً كان هنالك الطابق (١٢) ثم يقفز الى الطابق (١٤) صعوداً !!

هذا الشيء عاد بي للذاكرة فوراً الى مقاعد دراسة اللغة في كاليفورنيا في احدى حصص اللغة حيث كان الدرس حول الخرافات والمعتقدات الغريبة في العالم٫ وعلى رقم التعجب من تشابه أوجه الطيرة والتشاؤم من بعض الرموز في العديد من الدول والثقافات وإعتقادنا بأن المعلمة الامريكية لا شك سوف تضحك بشدة على تلك الخرافات المنتشرة عند الطلبة إلا انها شاركتنا الحديث بأن اللامريكيون ايضاً يؤمنون بالعديد من تلك الرمزيات! حينها عرفت أن الرقم ١٣ يعد شؤماً لا يمكن إغفاله خاصة الا توافق مع يوم الجمعة، حتى المتنورين منهم يحاولون الابتعاد عن عقد صفقاتهم وقراراتهم المهمة في ذلك اليوم تحرزاً من اخافة شركائهم.

paraskevidekatriaphobia : المسمى العلمي لتشخيص الاصابة برهاب الرقم ١٣

يقول الامريكيين أن فشل مشروع أبولو في عام ١٩٧٠م لم يكن أن يكون لو تأخرت في انطلاقها يوماً واحد فقط٫ ولكن أن تُسمى الرحلة أبولو ١٣ وتنطلق في ١١ من شهر نيسان وفي الساعة ١٣ ( ١ مساءً) والدقيقة ١٣م  ولم يأتي اليوم ١٣ حتى انفجر خزان الاوكسجين وكانت على وشك أن تكون كارثة ! فهذه ليست مجرد صدفة بقدر ماهي إعلان مسبق بكارثية هذه الرحلة !

ولم يتوقف الامريكون هنا في الاستدلال على جدية هذه اللعنة ! فهم يستذكرون الكثير من الأمثلة على خطورة هذا الرقم يرجعونها الى أن صلب عيسى بمعتقدهم كان في اليوم ١٣ من جمعة شهر نيسان، وقبل ذلك كأن الضيف الثالث عشر في ليلة العشاء الأخير مع عيسى هو يهوذا الإسخريوطي التلميذ الثاني عشر من تلامذة المسيح والذي قام بخيانته ! واذ لم يكن هذا كافياً للمعتقدات الشعبية الأوربية التي تقول بأن الساحرات يجتمعن في ذلك التاريخ في مجموعة تتكون من ١٢ ساحرة ويكون الثالث عشر هو الشيطان ! كما أنهم يشتاؤمون من الاشخاص الذي يحملون أسماً يتكون من ١٣ حرفاً ! وإذا اعتقدت ان هذه مبالغة فسيوف يغرقونك بأسماء مشاهير من القتلة والمغتصبين مثل تشارلز مانسون، وجيفري داهمير و ثيدور بوندي ، وحتى أدولف هتلر !

لهذا يندر ، بل أقول مستحيل أن تجد في الولايات المتحدة منزلاً مرقماً به أو رحلة جوية كذلك أو غرفة في فندق في الولايات المتحدة. وفي حال دعوتك لحفل عشاء فاخر فتأكد من احصاء عدد الجالسين على الطاولة الواحدة فلن يكونوا بأي حال من الاحوال يتجاوزون العدد ١٢ شخص.

على الرغم من تشأوم الأمريكيون وكثير من الدولة الأوربية من هذا الرقم إلا أن هنالك شعوباً وثقافات تعتقد أن رقم الحظ ! فالايطاليين والصينون يتفائلون به.

والآن ، هل تعتقد أن العرب مازالو يؤمنون في الطيرة ورمزيات للشؤم ؟

خارج النص

إحسائي في نيويورك

(١)

بالأمس كانت الأمسية الختامية للشاعر السعودي عبداللطيف بن يوسف . هذا المهندس الشاب الذي نقل ارتجافات السعف و زبد الخليج الى حواضر منهاتن.

كان فعلاً قطب للأمسية دار في فلكه كوكبين، دفء شمس جسيكا، و ضيء قمر أحمد، لو غاب احداهما لا انكسف الاخر او انخسف. فتكاملوا وتناغموا وكأنما القصيدة هي من كتبتهم، وعزفت على أوتارهم، وأطلقت السنتهم.

(٢)

نحن نعلم يقيناً ان حواضرنا وباديتها مترفة بالمبدعين، نابضة بكل فن يخاطب القلب وخفايا النفس، يعبر جسور اللغة ويتجاوز الهويات الصلدة، ونحن بها فخورين بها للغاية.

هنا، في العالم الغربي، يعيشون نفس القولبة الإبداعية. لهم شعراءهم، موسيقيين، أدب ومسرح، مع فارق بسيط، العالم بأسره يلحظ “تحضرهم” بهولاء الأعلام.

وهم هنا يوماً عن يوم يزدادون فخراً، -فهاذا العالم يتحدث عنا، يشغل بِنَا، يلهث خلف تصدرنا، ويدور حول قبلتنا الانسانية-. وهم في ذلك محقين.

وحين يأتي الحديث عن الشرق، فأين نحن من الشرق ! اطلال تكاد تندثر، وافكار بالية خلقتها المكنة الهوليودية منذ فيلم ليالي عربية في مطلع الخمسينات الميلادية من القرن المنصرم ومازالت تتجدد، ومفكرين وأدباء، الحق منهم يخفت صوته، والجائر يملئ الدنيا ضجيجاً عن كم نحن متخلفين، عالة على البشرية، بيئة جدباء لا تنبت الا خطرا على حضارتهم المشعة.

(٣)

لذا كانت الحاجة ماسة لأن نخرج من حياض المحلية، الى المحيط الواسع، لايثبطنا موج كالجبال أن نعبرها من اقصى الأرض لأدناها كما فعل اجدادنا الصالحين، لثبت أننا نملك الباع الكبير الذي يخولنا ليس فقط أن نتصدر المشهد كما قال سمو الأمير خالد الفيصل “مكاننا الطبيعي في الصف الأول من العالم الأول”، بل ونكمل مسيرة العالم الى توليد المزيد من الإبداع .

هنا تأتي جهود مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي في برامج الشراكة مع نظراءهم الامريكان بخلق تلك الفرص، يغير أفكار شاخت ويولد لنا في كل لحظة صديقاً جديداً، يرى السعوديين على حقيقتهم، ليضعهم في نفس الصف الأول مع كان من كانوا جالسين فيه.

هنا، نحن بحاجة الى عبداللطيف كل يوم. يأتي بإبتسامة دافئة تصافح حواسهم قبل أن يخاطب عقولهم ، فنحن ايضاً نشرب قهوة سوداء، ونشتاق لأحبابنا، ولا نملك بئر من النفط في ساحات منازلنا.

خارج النص

طبع العملات والحلول السحرية

لربما شاهدت او سمعت او قرأت خبراً عن معاناة اقتصادية تعصف بدولة ما، وأن الناس باتوا لايستطيعون شراء قوت يومهم ، وقد ابتلع الفقر الملايين من الناس. وطرأ على ذهنك هذا السؤال; لماذا لا تقوم حكوماتهم بطباعة المزيد من العملة وتوزعها على شعوبها المسكينة؟ ويصبح الكل يستطيع ان يشتري!

ولكن هل هذا الامر عملي ؟

في الحقيقة نعم !

وقد قامت فيه عدة دول، واجهت ازمات اقتصادية خانقة وقامت بطباعة المزيد من العملة واستخدامها لتغطية العجز في ميزانيتها من خلال استمرار الانفاق على الرواتب والمشاريع التنموية وغيرها وبالتالي توفر المزيد من المادة في ايدي شعوبها.

ولكن مالذي حدث ؟

هنالك اجابة واحدة فقط لهذا السؤال : الأنهيار الاقتصادي !

متابعة قراءة “طبع العملات والحلول السحرية”

أنا التاريخ

رستم و سهراب ، دراما من الشاهنامة

أجمعت أغلب الأمم أن لديها كتبها المقدسة وآلهتهم الفريدة وأساطيرها الخاصة، فتمايزوا في ملاحمهم الأدبية التي تمزج بين أرث حضاراتهم وتاريخ ملوكها وأبطالها ومآثر شعوبها ، ومن بينهم كانوا الفرس يحملون فخر ما انجبته ثقافتهم تمثلاً في كتابة الشاهنامة – سير الملوك – الذي حظى بالاهتمام القومي الأكثر من بين عشرات الأدبيات الاخرى.

والقارئ للشاهنامة يجد فيها العديد من العناصر الادبية الرفيعة والمواد الخام التي تصلح لأنتاج العديد من المواد السينمائية والمسرحيات الدرامية التي تناسب عصرنا الحالي في توليدها من جديد بما امتلكناه من تقنية مذهلة ومعدات مبهرة تجعلنا نعيش أحداث قصص حدثت او كما يدعونها انها قبل الاف السنين .

من بين أكثر قصص الشاهنامة شعبية بين الفرس في الماضي واليوم تأتي حكاية رستم و سهراب، وهي من وجهة نظري القصة الدرامية الاولى في الشاهنامة ، وقد شغفتني حتى استمعت بقرائتها مراراً وحدثت بها كل من أعرف، والآن اكتبها لكم – اختصاراً غير مخل بإذن الله – مزواجاً فيها من قرائتي في الشاهنامة ومصادر اخرى وجدتها هنا وهناك :

يالها من قصة تدمع العينين

حين يقع برستم غضب الحليم

إن هبت رياح من نهر الجانج

فستُسقط البرتقال قبل أوانه

فلماذا يشعر الشاب بالخذلان ؟

الموت ليس حكراً على الشيوخ.

 بهذه الأبيات المترجمة عن الفردوسي الأديب الذي اخرج لنا الشاهانامة في صورتها النهائية بعد ان نظمها في قرابة الخمسين الف بيتاً من الشعر الفارسي، يبتدأ قصة رستم وسهراب .

في يوم من الأيام وفي حالة من الحزن امتطى رستم جواده الرخش، وذهب ليصطاد في السهل بحثاً عن الترفيه والتسلية بعد أن كتب عليها الأرق والملل في أروقة قصره الضخم في مملكته سجستان ، و بعد مدة وصل الى منطقة صيد مليئة بالطرائد بقرب الممالك التركية المناوئة للفرس، فقتل حماراً وحشياً شواه وأكله ثم اغمض عينيه ونام , في حين كان رخش يهيم في السهل يرعى بعد أن ازاح من على متنه السرج والطوق،  وجد عدد من المسافرين الترك رخشاً حراً لايحمل وسماً ولا سرجاً فاصطادوه بأعجوبة واخذوه معهم.

ولما استيقظ رستم ولم يجد جواده تملكه الغضب ومشى حزيناً يتقصى الاثر لا يلوي على شيء الى أن وصل مدينة سمنجان وهي من ممالك الترك الحدودية، فذهب مباشرة الى ديوان الملك وصاح على حراسه بأن ليخرج اليه الملك ، وفوراً اخبروا الملك بأن فارساً جسيماً مسلحاً يدعي انه رستم واقفاً في الباب يطلب مقابلته، فأرتاع الملك لما يعرفه من فتك رستم الشهير ، فخرج وتلقاه رحب به الملك واكد له ان الرخش معروف جداً وان عليه ان يهدأ ويقبل ضيافته الى ان يجدونه، وفعلاً مضى معه رستم ساهراً ومحتفلاً في جلسة من السمر والشراب، حتى اخذه النوم فأمر الملك بإفراغ اهم الاجنحة الملكية لرستم ، وحينما كان نائماً فإذا بدخول احداً ما عليه فقام رستم منتبهاً بعد أن سل سيفه ليدفع عن نفسه إذ وجد امامه حسناء لم يلحظ مثلها من قبل، تبين انها أبنة الملك وتدعى تهيمنه والتي باحت لرستم عن عشقها له وانها طالما سمعت عن بطولاته وصولاته حتى تمنت ان تراه وهاهوذا في قصرها،

في تلك الليلة عقد رستم على تهيمنه برضاها وفي اليوم التالي عثر على رخش حاضراً عند ديوان الملك فغادر رستم بعد ان اعطى تهمينه شارة ذراعة وبها جوهرة وقال لها ان ولدت انثى فعليها ان تربطها على احد خصال شعرها وأن كان فتى فعلى ذراعه.

وهكذا ولد سهراب بعد تسعة اشهر ، يكبر في شهر عن نظرائه في سنة، حتى ترترع سهراب وازداد بسطة في الجسم والعقل واثبت ان له قدرات غير عادية في الذكاء والاقدام وقوة الإرادة والفنون القتالية والقيادة.

وعندما بلغ سهراب الاربعة عشر عاماً الح على امه ان تخبره باسم والده , فاخبرته انه رستم البطل الذي بلغت شهرته الافاق ولكنها اوصته بان لايصل الخبر الى حاكم توران افراسياب والا قتله انتقاما من ابيه لما بينهما من حروب طاحنة، لم يقتنع سهراب بان يبقى الامر سراً وقرر ان يسير بجيش الى ايران بحثاً عن ابيه البطل ويهزم كيكاوس ثم يعود لتوران ويسقط افراسياب قائلاً :” ان كان رستم ابي وانا ابه فلن يبق عرش الا اسقطناه” .

ولما علم افراسياب بأن سهراب يقطع النهر متجهاً الى ايران ارسل اليه عصبة من اشجع فرسانه  في اثنى عشر الف جندي لمساعدته واوصى اثنين من وزرائه لمرافقته و بأن لا يعرف الاب والابن بعضهما فأن قتل سهراب رستم كان لهم ان يحتلوا فارس وان قتل رستم ابنه فسيدمره الندم والحزن الشديد .

في طريقه يمر سهراب بالقلعة البيضاء حيث يقطن محارب شيخ  يدعى هجير أو هازر حاكماً لها، سرعان مايتمكن سهراب من اسر المحارب هجير آمر القلعة ويستعد للاستيلاء عليها. فتقوم أبنة هجير وتدعى غردافريد وهي مقاتلة شجاعة بالمبادرة وتلبس درعاً وتخفى شعرها في خوذة وتخرج لانقاذ أبيها، وقد استطاعت ان تقضي على العديد من الفرسان من خلال مهاراتها الفائقة في رمي السهام الان أن يتصدى لها سهراب  وتحدث مبارزة عجيب لايكاد سهراب يسدد لها ضربة حتى تمرق منها كالزئبق الا ان تقرر الفتاة الهرب والعودة للقلعة فيطاردها سهراب حتى استطاع ان يسقط خوذتها بعد ان صدد لها ضربة فينسدل شعرها الطويل على كتفيها فيصيبه الذهول من جمالها وشجاعتها ويقوم بأسرها بأن القى عليها حبلاً طوقها بها واسقطها على الأرض ، هنا استطاعت الفتاة ان تحتال على سهراب بأن يفرج عنها على ان تقوم بتسليم القلعة له بعد ساعات وتحفظ كرامتها وايضاً سمعته كفارس لا يقاتل النساء، ولكنها لم تسلم  القلعة اليه كما توقع وفي الصباح التالي وصل سهراب لاقتحام القلعة بيد ان وجد بوابتها مفتوحة والقلعة خاوية على عروشها.

maxresdefault-2

ينتقل المشهد الى العاصمة الفارسية حيث يجلس على العرش الملك كيكاوس أحد اشهر ملوك الشاهنامة، هنا شعر كيكاوس بالخطر جراء هذا النصر السريع الذي حققه سهراب. فارسل القائد الشجاع جيو الى سجستان ليطلب العون من رستم . لم يبدِ رستم حماساً للامر واعتقد ان المقارنة بينه وبين سهراب مبالغ فيها . وهكذا لم يتعجل رستم وقضى جيو بعض الليالي يشربان ويمرحان قبل ان ينطلقا لمساعدة كيكاوس بعد أن مضت ثلاثة ليال . غضب الملك من تراخيهما وتنازع مع رستم وأمر بأعدامه فخرج رستم غاضباً وشاتماً الملك، بيد انهما سرعان ماتصالحا بتدخل من النبلاء .

وهكذا وصل رستم وكيكاوس والجيش الفارسي في مواجهة الجيش التركي بقيادة سهراب. ووقف سهراب ينظر الى الجنود الفرس في الجانب المقابل من الميدان والى جانبه الأسير هجير طلب سهراب من هجير ان يشير الى الابطال والقادة الفرس وخاصة رستم فكذب هجير خوفاً من أن تتعرض حياته للخطر حينما يقصده سهراب القادر في ظنه على الفتك برستم وبالتالي يسهل على الترك احتلال فارس، كما أن الوزراء الذين أرسلهم افراسياب حرصوا على إخفاء الحقيقة عن الشاب.

Sohrab-assesses-his-enemy

في اليوم الأول عجز أي منهما عن الإطاحة بالاخر. ولكن كلا منهما شعر بانه يقاتل خصماً يساوه في القوة، فتكسرت أنصال الرماح وتحطمت السيوف ولم تجدي الأسهم وجميع أسلحة القتال.

في اليوم التالي وبعد صراع طويل تمكن سهراب من التغلب بعض الشيء على ابيه وكان يوشك ان يقتله فاحتال عليه رستم وقال له بأنه ليس من شيم الابطال قتل المبارز من المرة الأولى التي يسقط فيها ارضاً.

phoca_thumb_l_Shahnameh_2_8_

اثناء المبارزة كان سهراب يكرر السؤال عن رستم دون ان يكشف هويته لكن رستم لم يجب. حتى أن سهراب باح بمشاعره للقادة حوله بأنه يتملكه الخجل حينما يرى ذلك الفارس المغوار ويقصد رستم ولكن سرعان ماينكرون ان ذلك هو رستم ! ويظل سهراب متعجباً طيلة امره.

وحين عرف رستم انه غير قادر على هزيمة سهراب دعا ربه قبل المبارزة الثالثة بان يعيد اليه القوة التي كانت له في شبابه، حيث كانت لديه قوة تجعل الارض تتشقق من تحت قدميه حيث يمشي فدعى الله ان يخفف منها.

استجاب الرب لدعاءه وفي اليوم الثالث استطاع ان يصرع سهراب، وتصف الشاهنامة هذا المشهد بأن  ” استل خنجره من خاصرته وشق صدر ابنه المغوار”

تأوه سهراب وقال بأن ذلك لم يكن خطأ خصمه “رستم”  بل سخرية القدر التي جاءه به الى فارس للبحث عن ابيه كي يُقتل دون ان يجده.

“لو صرت سمكة في الماء

او دخلت كالليل في الظلماء

ولو صعدت كالنجوم الى السماء

تاركاً وراءك الأرض التي تحب

فسيأثر والدي منك يوماً

حين يراني في قبري بسببك

فمن بين أولئك الابطال

واحد سيخبر رستم

ان سهراب نحر

بينما كان يبحث عنك بلا جدوى”

هنا اخذت المفاجاة رستم فكشف عن ذراع سهراب ليرى الجوهرة التي منحها والدته قبل اربعة عشر سنة ! ليدوي بصرخة استدعت فرسان الجيشين ليقفوا على رستم محتضناً ابنه وهو يحتضر.

phoca_thumb_l_Shahnameh_2

 وكان لدى كيكاوس دواء شاف يمكنه انقاذ حياة سهراب ولكنه مصداقاً لطبيعته يرفض ارسال الدواء الى رستم. خوفاً من  ان تؤدي نجاة سهراب الى انهيار ملكه وقد قال لجيو الذي ارسله رستم بأنه لم ينسى اهانة رستم له في الحادثة الاولى، وحين قام رستم بنفسه ليطلب الدواء من كيكاوس تصله الانباء عن موت ابنه، ليسقط عن ظهر فرسه ويشق ثيابه ويحثو التراب على رأسه.

ويعلق الفردوسي على ذلك قائلاً :

الدنيا مترعة باقدار الجميع / وكثيراً ما تلعب ادواراً ساخرة كهذه.

خارج النص

الملاحم الأدبية – مُختصر

بادئ ذي بدأ، سوف اتحدث معكم قليلاً عن الملاحم الادبية التي أنا واقع في ظل سحرها منذ أشهر ولم أستطع سبيلاً  للفكاك منها الا بأن اسطر بعض تلك القراءات هنا عسى ولعلَ ان يمنح ذلك بالي راحة وتحظى كلماتي التالية بعض البقاء. ومن هذا احذركم اذا كانت لديكم النية الصادقة او الاقبال القريب على قراءة اي من تلك الاعمال التي سوف اعرج عليها هنا بأن لا تكمل القراءة بعد هذه المقدمة، فما يلي ذلك اشبه بحديث فتى مزعج يشاهد معك فيلماً للمرة الثانية ويخبرك ان البطل سوف يُقتل بعد لحظات ويطلب منك بعدها التركيز لئلا تفوت المشهد!

من المعروف أن لكل الامم قصص، ولا يمكن ان تنشأ وتنهض أمة بدون ان تخلق رجالاً يثيرون اعجابها وتتجلى فيها اعمال الابطال، وهنا تأتي الملاحم التي تمزج بين الحقائق والخيال، بين الاساطير والبطولات، فقد يوجد فارس يستطيع  في معركة واحدة ان يقتل ٥٠ فارساً، ولكن الاسطورة تضيف بضعة اصفار امام ذلك الرقم، وليس هذا بكذب في عرف الاسطورة ! بل هو فخر الامم الذي يستلزم ان يكونوا الابطال على قدرها.

والملاحم لا يمكن تعريفها الا بان تكون تراجم منظومة شعراً وتفرد نثراً فيما بعد، وهي في كل الامم تكون في اولها شعراً يتغنى بها الناس ويتوارثون ابياتها حتى يأتي من ينظمها ويدونها.

وهاهي أهم الملاحم الكبرى المشهورة في الادب البشري في زماننا هذا:

١-  الالياذة و الأوديسة.

هاتان هما فخر الامة اليونانية التي أولدت فلسفة العالم المدني الاولى وأنجبت علمائها السابقين على غيرهم. وكلا الملحمتين بلغتا من العمر اكثر من ٢٧٠٠ سنة تقريباً.

محور الالياذة هي غضبة “أخيل” بطل اليونان على قومه ثم حميته لهم. وكان قد اعتزلهم في حرب “طرواده” -الحرب الأشهر في تاريخ اليونان- وذلك نقمة على ” أجاممنون” زعيم اليونان الذي غصبه فتاة أسيرة (بنت اخ ملك طرواده-. ولكن القصة لا تتناول على سعتها إلا وقائع الأيام الأخيرة من عشر السنوات التي حاصر فيها اليونان مدينة طرواده. وربما من المناسب هنا ان تشاهد الفيلم الرائع (طرواده) بطولة براد بيت.

اما الاوديسه فهي تروي قصة الملك “أوديسيوس” و-هو بالمناسبة صاحب الفكرة العبقرية “حصان طراوده” التي بها انتصر بها قومه- عند عودته من طروادة والتي تعرض فيها للعديد من الأخطار مع طاقم سفينته طيلة عشر سنوات بعد ان أغضب عليه اله البحر بوسيدون بفقأه لعين ابنه العملاق ذو العين الواحدة! وطوال هذه الفترة تبقى زوجته “بينيلوبي” بانتظاره، ممتنعة عن الزواج، رغم العروض الكثيرة التي تتلقاها، خاصة بعد وصول أغلب المحاربين في حرب طروادة ما عدا زوجها. تنتهي الملحمة بوصوله إلى “إيثاكا” وقيامه بالانتقام من الذين اضطهدوا زوجته بتلك الفترة. وبالنسبة لي فهي اكثر متعة وجموح ادبي من غيرها.

٢- الانياذة

لنقل انها النسخة المقلدة من الالياذة والاوديسة! ولكنها رغم ذلك تعتبر مفخرة الرومان دون منازع، فهي قصة وضعها الشاعر الروماني “فرجيل” بعد ان قضى اثنتي عشرة سنة في تأليفها ومات مريضاً قبل أن يتمها، ليحكي فيها كيف وُجدت روما التي حكمت العالم ذلك الحين، وموضوعها متصل بموضوع الالياذة اليونانية وذلك ان بطلها أنياس أحد حلفاء الطرواديين الذين هزموا من قبل اليونانيون نجح في ان يرحل في جماعة من قومه يرتاد أرضا بعد ارض حتى بلغ قرطاجه وقابل ملكتها ثم ايطاليا حيث أكرمه الملك لاتينوس و زوّجه ابنته ثم استخلفه على الملك. و كان من أعقابه، فيما يقال، روملوس مؤسس رومية.

٣- المهابْهارتَه و الرامايَنا .

أو المشهورة بالملاحم الهندية، والمهابهارته تقارب مائة ألف بيت باللغة سانسكريت، وهى قِصص موصّلة تدور حول تنافس بنى العم من بنى بهارتَه و هما بيتا “كورقَا” و”پاندفا” تنافسوا على الملك، و بعدما تحاربوا ثمانية عشر يوما على أرض كُرُكشِترا فى مملكة متسِيا انتهت الحرب بفناء بيت كورقَا .وتنتهى القصة بزهد الأمراء الباقين أمراء پاندفا، و اعتزالهم العالم، ورحلتهم إلي جنة إنَدرا.

و في الراماينا قرابة ثمانية و أربعين ألف بيت، و معظمها لشاعر واحد. و بطلها راما ابن ملك أوده، ولّاه أبوه العهد فسعت أم أخيه بهراتا حتى عزم الملك على أن ينفيه أربعة عشر عاما. فانصاع راما و عاش في البرّية و أبى أن يرجع حين دعي ليتولى الملك وزهد في ذلك. ثم إن ملك الجن في جزيرة سيلان، و اسمه راقنا. أحب سيتا زوج الأمير راما فحطفها. فذهب راما لاستخلاصها. و أعانه ملك القردة على عبور مضيق سيلان. وكذلك ناصره أخو ملك الجن. و انتهى القتال بأن قتل راما ملكَ الجن، و استولى على مدينته، و أجلس أخا ملك الجن على عرشها. ثم رجع راما و زوجه سيتا ظافرين إلى أوده. اضافة الى حوادث اخرى تتعلق في راما.

٣- جلجامش

ملحمة جلجامش هي ملحمة سومرية مكتوبة بخط مسماري بلغة الاكادية لبلاد مابين النهرين، تحكي عن جلجامش وهو ملك ظالم كانت والدته إله خالداً ووالده بشراً فانياً، وبسبب هذا الجزء الفاني ادرك حقيقة انه لن يكون خالداً فبدأ في رحلة البحث عن الخلود، وقد  خلقت الاله مخلوق هو انكيدو الذي أصبح العدو الاقوى لجلجماش الا ان انتصر عليه بالحيلة فيصبحا صديقين في رحلة البحث عن الخلود الذي استنتج في النهاية ان الخلود بالاعمال لا بالاعمار.

٤- الشاهنامة

تعد الشاهنامة الملحمة الوطنية لبلاد فارس “ايران”، نظمه الفردوسي في عام ١٠٠٠م بأكثر من ٣٥،٠٠٠ الف او ٥٠،٠٠٠ الف بيت من الشعر خلال ثلاثين عاماً، وهو مبني بشكل رئيسي على نسخة نثرية سابقة، كانت تجمع القصص الإيرانية القديمة والحقائق والخرافات التاريخية. وللكتاب عند الفرس مكانة عظيمة وهو سجل تاريخهم، وأناشيد مجدهم، وديوان لغتهم. وقد سماه لسان الدين بن الخطيب قرآن الفرس

وموضوع قصص الالياذة والاوديسة والانياذة وحتى المهابرتا و غيرها من الملاحم الكبيرة هي حوادث متتابعة في سنين قليلة، كقصة واحدة من قصص الشاهنامه- كالحرب بين بنى أفريدون، أو حرب كيكاوس و الجن فى مازندران، أو قصة سهراب و رستم، أو قصة سِياوخش بن كَيكاوُس . فهي على عكسها لا تدور على بطل واحد أو أسرة واحدة أو حرب واحدة بل هى، كما سيأتى، تاريخ أمة من أقدم ما وعت أساطيرها حتى الفتح الإسلامي. و يقول “ثيودور نولدكه” – الذي يعد شيخ المستشرقين الالمان – عنها أنها ملحمة لا نظير لها عند أمة أخرى.

والشاهنامه تجمع معظم ما وعى الفرس من أساطيرهم وتاريخهم من أقدم عهودهم حتى الفتح الإسلامي.تبدأ بالتحدث عن أول البشر وبداية الخلق ثم ترتب ترتيبا تاريخيا: تذكر الأسرة فتبدأ بأول ملوكها تبين تاريخه، وما كان في عهده من الحادثات ثم تذكر الملك الثاني وهلم جرا الى اكثر من ٤٩ ملكاً وعشرات الشخصيات الاخرى من الابطال والاعداء. وبهذا تخالف الملاحم الأخرى، كما تقدّم. ويستمر القصص فيها 3874 سنة تحكم فيها أربع دول.

*

اخيراً، هل لدى العرب ملاحم ؟ حسناً في الادب الحديث هناك بضعة اعمال تتحدث عن نفسها انها ملاحم، وحقيقة لم اقرأ منها ورقة ! فلا استطيع الحكم عليها برغم التشائم الكبير التي اكنه لها، واكثر ما اعتقده يصح انه ملحم فهي غربة بني هلال الاكثر شهرة في عالمنا العربي، ولكن هل لدينا الخامة الصالحة لنظم ملاحم عظيمة ! هذا ما أنا متآكد منه ولكن اين الشاعر الصبور والأديب البارع ! فحضارتنا اتخمت بالمؤرخين الذين ينظرون الى كل قصة بمقاييس التجريح والتدقيق عن ترك حبل الخيال على الغارب ورغم فحول الشعراء في تاريخها الا ان الهجاء والمدح والفخر والرثاء اخذت من ألسنهم اكثر من غيرها من نظم الملاحم، لهذا نشاهد أن الفرس رغم ان لسانهم لايعد قطرة في بحر اللغة العربية قد احسنوا نظم قصة ليلى والمجنون على احسن مايكون وكذلك قصة نبي الله يوسف التي وردت في القرآن. وبقينا نحن نتغنى في القصص الشعبية الى ان أندثر جلها.

نايف الفضلي