خارج النص

هل تدعم شركة ستاربكس أسرائيل ؟

أصبح من المُسَلم به لدينا أن ستاربكس للقهوة هي شركة أمريكية داعمة للكيان الصهيوني، هذا إذ لم تكن صهيونية بنفسها! فمنذ تفجرت الاحتجاجات الشعبية إثر الاعتداء الاسرائيلي الغاشم على قطاع غزة في عام ٢٠٠٤م ، اشتعلت حملة من المقاطعات الاقتصادية طالت العديد من الشركات الأمريكية التي أدرجها النشطاء كشركات صهيونية، وبطبيعة الحال من كان يجرؤ في تلك الفترة على التساؤل بدقة تلك الاتهامات أو التشكيك بها!! بالطبع فإنه سوف يُرمى جزافا بالتخوين والمزايدة على مبادئه الاسلامية والعروبية. وتلك تهمة لا يريد أيً منا أن يلطخ سمعته بها، فهي صعبة الإزالة لو أقسم ببراءته منها لألف ليلة متعلقاً بأستار الكعبة!  والآن وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على تلك الحملات الاقتصادية الشعبوية التي دُعمت بالعديد من الفتاوى الدسمة أصبحنا نرى منتجات تلك الشركات في تزايد وتوسع في المنطقة وفي خضم المزيد من الاستثمارات -بعكس المتوقع- ومازالت تجني أرباحاً مهولة بلغت قيمتها السوقية أكثر من ٨٥ مليار دولار أمريكي! فما الذي حدث ؟

من وجهة نظري إن الأمر يكمن في جيناتنا الوراثية كعرب (علماً بأنني لا أومن بالحتمية البيلوجية)، فنحن شعوب عاطفية من الطراز الأول، نثور في لحظة ونهدأ في لحظة أخرى، خصوصاً فيما لا يقطع به الشك باليقين، وتتغير قناعتنا بسرعة تغيير مواسم السنة، فذاكرتنا قصيرة للغاية أيضاً. وهذا إذا ما افترضنا اقتناعنا التام في قضية معينة، ولكن ولكون المسألة تتعلق بمنتجات استهلاكية فهي أكثر تشتيتاً لأي عزيمة قد تعقد للمقاطعة! فهي لم تقوم على تحليل حقيقي للحقائق وتبني لمبادئ واضحة، ولن ننسى مقاطعات الأطباق الفضائية (الدش) والهواتف الذكية والتعليم في الخارج، ورأينا إلى أين وصلت تلك الدعوات وكيف تبدلت الأحوال خلال بضع سنين!  قمت أثناء كتابة هذه التدوينة بملاحظة سعر أسهم شركة ستاربكس في السوق الأمريكية وكانت في صعود متواصل ولم تنكسر إلا على إثر الأزمة العالمية ٢٠٠٨م وكذلك شركة مكالدونالدز والتي تعرضت مقارها حول العالم للتهشيم والتكسير لم تكد تعرف أسهمها خسارة حقيقة منذ الألفية الثالثة! وقس على ذلك جميع المنتجات التي جوبهت بحملات مقاطعة! فسرعان ماتغزوا السوق وتتداولها الأيادي رغم أنف المقاطعين طالما كانت حركتها حرة في السوق وليست ممنوعة أو محاصرة من قبل الدول .

مضت السنون وأنا مازلت عازماً على مواصلة مقاطعة ستاربكس يقيناً مني حينها بأنها من الشركات الصهيونية لا محالة، فلم يغب عن بالي تفسير شعار ستاربكس بأنها المرأة التوراتية “أستير” ومازالت تردد في ذهني صدى عبارات بلاغية مثل “بكل دولار تنفقه لستاربكس تشتري به رصاصة تقتل بها إخوتك الفلسطينيين” وماشابه ذلك من شعارات عاطفية. فالموجة الشعبوية حينها جرفت الكثير من المنطق معها، فإما أن تسلم ضميرك وراحة “رأسك” بأن تقاطع، أو فإنك تحتاج إلى إرادة حقيقة للسباحة عكس التيار للتحقق من الأمر!

حقيقةً، لم أواجه صعوبة في قراري الاقتصادي والسياسي هذا ذلك الحين والالتزام به طيلة فترة مكوثي بالرياض، ليس لأن إرادتي ووعيي القومي صلد كما كنت أعتقد بذلك! بقدر ترف الخيارات البديلة، فالمتفحص لمدينة ضخمة مثل الرياض سوف يلاحظ أن قطاع المأكولات يضم خيارات متنوعة لا تكاد تحصى، فلم أواجه مشكلة في أن وجود بدائل ممتازة ومتوفرة بمستوى ستاربكس. فلماذا أحمل ضميري المتشكك تجاه تلك البضائع في المقام الأول بأنها فعلاً قد تكون صهيونية أو تدعم في جزء من أرباحها الكيان الصهيوني أو أن أجهتد لأحلل تلك المعطيات لأصل إلى قرار عقلاني بالمقاطعة أو لا، والمقاهي الأخرى تملئ البلد! فأخترت الحل السهل.

ولكن بمجرد إقامتي في الولايات المتحدة الأمريكية أتضح لي بأن الحصول على قهوة جيدة من غير ستاربكس يحتاج فعلاً إلى إرادة المقاطعة الحديدية! فمدينة منهاتن وحدها حيث أعمل وهي جزيرة صغيرة تقع في  نطاق ٢٢.٨٢ميلاً مربعاً يوجد بها أكثر من 360 فرعاً لستاربكس! بمعنى أن هنالك قرابة ١٥ فرع في كل ميل مربع! فأينما اتجهت في طرقات منهاتن المصممة بشكل مساحات هندسية صغيرة متساوية في الطول والعرض فسوف تجد فرعاً بين كل قطعتين وربما أقل من ذلك! الأمر الذي فرض تحدياً هنا، فأما أن أواصل تلك المقاطعة في الامتناع عن القهوة الستاربكسية والاستعاضة عنها ببدائل أخرى، وإما مواجهة الأمر والبحث فيه!.

IMG_4750.PNG

وللإنصاف، لم يطاوعني الهوى في أن أباشر التعامل مع ستاربكس دون التبين في الأمر، فبدأت أجوب الطرقات مراراً بحثاً عن متاجر أخرى قريبة من مقر عملي تقدم قهوة طيبة، فكان الأمر ليس بالسهل الذي تصورته، فأغلب المتاجر ليست متخصصة في القهوة، وانتقلت للبحث عن الحلول الذكية الأخرى واشتركت في خدمة أمريكية تدعم المقاهي الفردية بحيث تقدم لك باقة مسبوقة الدفع من خلالها تستطيع الشراء من المتاجر المشتركة في القائمة لديهم وهي بالعشرات  (Cups App)  ولكن وبعد الاشتراك معهم لم أستفد من رصيدي إلا بأقل من ١٠٪ وتلاشى الباقي كون أن اغلبها يقع خارج دائرة عملي ومقر إقامتي .

حينها لم أجد بد من البحث في أمر ستاربكس، فإما أن أواصل الكفاح، أو نتصالح!

ستاربكس هي شركة مقاهي أمريكية، بدأت عام ١٩٧١ في سياتل بولاية واشنطن على يد ثلاثة شركاء وهم مدرس اللغة الإنجليزية جيري بادوين ومدرس التاريخ زيف سايغل والكاتب غوردان بوكر، قبل أن يستحوذ عليها هوارد شولتز الذي كان مدير سابق لديهم، وتمتلك الشركة الآن أكثر من ٢٤،٤٦٤ فرعا حول العالم منها أكثر من ١٣ ألفاً  داخل الولايات المتحدة الأمريكية وأكثر من ٢٣٨،٠٠٠  موظف جميع فروعها. فخلال رصد لنشاط الشركة بين عامي ١٩٨٧ الى ٢٠٠٧م اتضح انها تفتتح فرعين في كل يوم !!

جاء اسم ستاربكس من شخصية “ستاربك” من رواية هرمان ملفيل الكلاسيكية”موبي ديك” التي نشرت في عام ١٨٥١م، والتي تدور أحداثها في عرض البحر، فستاربك احدى رفقاء الكابتن (أهاب) على السفينة كان يحب القهوة كثيراً كما يقولون ! مع العلم ان هذا الاسم لم يكن الخيار الاول بل كان أسم سفينة الكابتن أهاب (Pequod) ولكن رفضه احد المؤسسين.

فيما يخص الشعار، فإنه مستمد من رسم نرويجي يعود إلى القرن السادس عشر ويمثل عروس البحر – أي حورية – ذات ذيلين منحوتة على قطعة خشبية، وتم اعتماد هذا الرسم محاطاً بشكل دائري – باسم الشركة الاصلي – قهوة وشاي وبهارات (ستاربكس) ورغب المؤسسون أن يعكس الشعار العلاقة التاريخية التي تربط تجار القهوة مع الإبحار. ولتلك الحورية (الاسطورة) قصة مشوقة في الثقافة الأغريقية لا يتسع المجال هنا لذكرها.

نعود لطرح السؤال الاهم ، لماذا الهجوم على ستاربكس ؟ دعونا نتفحص ما جرى في صيف ٢٠٠٦م، قامت قوات الكيان الاسرائيلي بقصف الجنوب اللبناني في عمليات قتالية استمرت ٣٤ يوماً، وفي نهاية ٢٠٠٨م قام الكيان الاسرائيلي بانتهاك الهدنة مع حركة حماس وقصفت قطاع غزة واشتعلت بالتالي الساحة الفلسطينية، وكذلك في حرب ٢٠١٢م و ٢٠١٤م في الاعتداء الوحشي على القطاع وقبل ذلك الاجتياح في عام ٢٠٠٤م ، أثناء ذلك نشطت حملات المقاطعة لمجمل الشركات الامريكية عابرة القارات وبلغت أوجهها عندما انتشرت وثيقة تقول أن الرئيس التنفيذي لستاربكس تبرع بجزء من أرباح الشركة لدعم الكيان الاسرائيلي ضد المسلمين المعادين للسامية.  وكمعظم نظريات المؤامرة فهي تقوم على بذرة فيها بعض الحقيقة، وهنا فقد استندت على يهودية الرئيس التنفيذي لستاربكس بمعنى ان لديه علاقات ثقافية وعائلية مع دولة الكيان الاسرائيلي وبالطبع سوف يدعم حقها في الوجود والازدهار بمثل ماتدعمه الولايات المتحدة الامريكية والملايين من شعبها للاسف بجانب ١٥٧ دولة تقيم علاقات دبلوماسية مع اسرائيل !، كما حصل شولتز في ١٩٩٨م على جائزة “صديق صهيون” والتي تمنح للسياسيين والكتاب ورجال الاعمال الذين يدعمون لعلاقة وثيقة بين أمريكا وأسرائيل، باختصار فهو من المؤيدين للكيان الاسرائيلي لا شك في ذلك. ولكن تم عرض هذه الحقيقة بطريقة مشوهة بشكل كبير وتحولت الى اسطورة بأن شركة ستاربكس نفسها تدعم اسرائيل وتمولها وتمول الجيش الاسرائيلي وتوفر الاسلحة والذخائر والأسوار الأمنية التي تضهد بها اسرائيلي الفلسطينيين!

و أتضح فيما بعد أن الوثيقة كانت ملفقة من قبل مدون استرالي وناشط ضد الصهيونية يدعى أندرو وينكلر ضمن  محاكاة ساخرة مناهضة للصهيونية  نشرها على موقع (ZioPedia) ! فهوارد شولتز لم يكتب تلك الرسالة.  وقامت ستاربكس بحملة دعائية لأبراء الذمة من تلك الاتهامات، فنشرت بياناً على موقعها الرسمي وفي العديد من الصحف الامريكية والأوربية توضح ماتدعيه انها “حقائق” وذلك من خلال اسئلة و وأجوبة، فتقول بأن شركة ستاربكس لاتدعم الكيان الاسرائيلي, فهي شركة مملوكة للعامة (شركة مساهمة) فبالتالي لو كان هنالك اي دعم مستقطع من شركة ستاربكس فسوف يظهر في بيانات الشركة للجميع. (هنا)

حقيقةً، أغلب الشركات عابرة القارات تدفع ضريبة نظرية المؤامرة، ولن تربح تعاطف أبدي لجانب على حساب جانب اخر، فمثلاً في ٢٠٠٣م قامت ستاربكس بأغلاق جميع فروعها الستة في في الكيان الاسرائيلي لدواعي تجارية بحته، ولكن اثار ذلك اشاعات وحملات ضدها بأن الشركة قد خضعت للضغوط العربية الراديكالية وانحازت للعرب وناهضت اسرائيل ! ومازلت الى يومنا هذا خارج السوق الاسرائيلي.فهل دعم هوارد شواترز الذي تبلغ ثروته قرابة ثلاثة مليارات دولار أمريكي اسرائيل ؟ حقيقة، لايهمني ذلك، فالحكومة الامريكية بأكملها تمول اسرائيل وتقتطع من أموال دافعي الضرائب الامريكيين لأجل ذلك ! مايهمني أن الأرباح التي تجنيها الشركة لن تذهب لتمول مشاريع مقيتة ضد الانسانية وحقوق الشعوب وان تسيس من أجل ذلك.

مأعتقد انه حدث ليس شيئا أكثر من مجرد امتداد لنظرية المؤامرة الرأسمالية، حيث من المتوقع أن نصدق أن أكبر الشركات المصنعة للمشروبات الغذائية والغازية طالما عملت بتوجهات شريرة ضد شباب المسلمين. وهي ايضاً مثار جدل لدى الغربيين انفسهم ففي كل حين تبرز حملات ضد الشركات الضخمة لأسباب شتى ودواعي مختلفة من حقوق الانسان والحيوان والبيئة والعمالة والكثير.

ختاماً، حرية الإختيار التي نمتلكها ثمينة للغاية، ولنا كامل الحق في وضع أموالنا في شراء مانريد دون مزايدة على مبادئنا، فنحن أحرار في شراء مانرغب والإمتناع عن مالا نريد، وأن نتبنى المبادئ التي نشاء وأن نتراجع عنها متى ماشئنا! ولكن لنحرص على ان لا نجرم الاخرين الذين لايخضعون لنفس اهوائنا! من جانب اخر ، يتفق الجميع على عبقرية التسويق لستاربكس، والأسس التي تعمل عليها لخلق ولاء العملاء وإستقطاب جدد، حتى أصبحت مفهوماً في حد ذاتها للقهوة حول العالم ! وهي سياسة تستحق البحث والدراسة والتأمل. فهل مازلت تعتقد بأن إسرائيل شركة صهيونية ؟ انني اهتم لرأيك فأرجو أن تشاركني به

 

بالمناسبة، في نيويورك يوجد أغلى كأس قهوة في أمريكا، حيث يبلغ ثمن كوب الكابتشينو واللاتيه ٣.١٥ دولار. أما إذا أردت بعض الاضافات الأخرى فقد يصل السعر إلى 5 دولارات.!

نايف الفضلي

5 thoughts on “هل تدعم شركة ستاربكس أسرائيل ؟

  1. تقرير جميل جدا
    انا لا اشرب قهوة ستار بكس لانهم بكل بساطة لا يعرفون طريقة الكابتشينو او النسكافيه ولا أعرف عن باقي الانواع لاني حقيقة لم اجربها
    أقترح على ستار بكس ان تدرب موظفيها في فروع محلات امازون التي يتجاوز عددها 50000 فرع في انحاء تايلند والخيار الثاني محلات بلاك كانيون فقهوتهم مميزة وفروعهم منتشرة ايضا..
    مرت أكثر من 5 سنوات وانا اتعامل مع قهوة كاو تشونج جاهزة من المصنع ولا احتاج ان اتجول بين المدن لتجربة محلات القهوة كما كان يحدث لنا في أفريقيا

  2. الا يكفي ان يكون شولتز يهودي صهيوني حتى نقوم بمقاطعة ستارباكس؟ انها مجرد قهوة لن تموت اذا لم تشربها..
    تقرير طويل عريض تحاول ان تسخر من المقاطعين وتصورهم على انهم ساذجين وعاطفيين وتبرر لنفسك ولامثالك..
    على كل حال انت سعودي لذلك هدا ليس مستغربا منك..

  3. قرأت المقال بالرغم من تناقض الفكرة التي تقوم عليه
    ولكن في النهاية لو وضعنا في الحسبان لا شئ صحيح تمامًا وبنسبة ١٠٠٪؜ لأن الأفكار ليست دائمة فهي تتغير وتتحول بتغير الزمان والمكان وما إن تعتنق رأي حتى يأتيك تؤمن بالفكرة المضادة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s