خارج النص

اللجوء إلى السفارات

عندما يُلاحق فردٌ ما من قبل سلطات بلده نتيجة ممارساته السياسية أو الدينية أو الأخلاقية، وتُهدد حياته بالموت أو السجن الغير نظامي دون توفر قوانين واضحة يلجأ إليها لإنصافه أو غياب ضمانة تطبيق تلك القوانين، فإن الطريق الأول لنجاته هو الهروب إلى خارج البلاد، ولكن ومع وجود رقابة حديثة وصارمة ترصد تحركات سفر المواطنين وخصوصاً ممن أثاروا غضب حكوماتهم، فإن هذه المهمة تصبح شبه مستحيلة. وإن لم يتمكن من ذلك فالطريق الوحيد المتبقي له هو الذهاب إلى سفارة إحدى الدول التي ستحميه.

 وهناك قضيتان جاريتان لا نزال نعيش أخبارهما حتى يومنا هذا، الأولى منهما هي لجوء الاسترالي “جوليان أسانج” إلى سفارة الإكوادور في لندن منذ أكثر من أربع سنوات،  والثانية هي سفر “إدوارد سنودن” إلى هونج كونغ التي لا تربطها اتفاقيات لتبادل المطلوبين مع الولايات المتحدة الأمريكية وفضحه للمخابرات الأمريكية في تجسسها على الملايين حول العالم ومن ثم تقدم بطلب اللجوء إلى قرابة 27 دولة، منهم روسيا التي وافقت على استضافته فسافر إليها وحظيَ باللجوء السياسي، ومازالت قضيته تُثار في الإعلام الأمريكي من حينٍ لآخر.

اللجوء للسفارات هي فكرة قديمة بقدم الدول والإمبراطوريات، عرفها المصريون القدماء والإغريق وأوروبا الحديثة. فـ”ديكارت” لجأ إلى هولندا و”فولتير” و”هوبز” إلى فرنسا و”كارل ماركس” إلى بريطانيا و”دلاي لاما” إلى الهند، في ظروف متشابهه وهي الهرب من ملاحقة سلطات بلادهم  لهم، إلى دول تمنحهم الحصانةً وحرية التعبير.

وهنا لا أتحدث عن اللاجئين النازحين نتيجة ظروف قهرية على شكل جماعات، والتي نظمتها اتفاقيات وبروتوكولات عديدة كيفية التعامل مع التدفق الهائل من السكان إلى البلاد المستضيفة، ولكن حق اللجوء المقصود هنا هو ما يختص باهتمامات الأفراد فرادى، والذي يدرس كل حالة على حدا، وهو امتداد لثقافة عربية ضاربة في القدم وهي “الاستجارة” وتعني بتقديم الحماية للمستجير إذا وافق صاحب البيت، وتاريخ العرب في حقب ماقبل الإسلام مليءٌ بشواهد ذلك، فكانت القبائل تذهب إلى الحرب بأبنائها وأموالها للدفاع عن حق الاستجارة لفرد خائف من بطش ملك أو قبيلة أٌخرى.

وقد عرّف العرب الإستجارة على أنها “إعطاء الأمن لملهوف فرَّ إلى دار الأمان، نتيجة اضطهاد وظلم أو وضع سيئ يمكن أن يتعرض له”، وقد طلبت قبيلة قريش من أبي طالب عمّ النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- تسليمهم إياه فرفض الشيخ الجليل قائلاً:

pastedGraphic.png

كذلك حاز المهاجرون الأوائل في الحبشة على حماية النجاشي فرفض تسليمهم لمبعوثي قريش.

وفي اجتماع مجلس أورليان بحضور أول ملوك الفرنكيين “كلوفيس الأول” عام 511م منح حق اللجوء والحصانة لأي فرد يدخل إلى حمى الكنيسة أو بيت الاسقف حتى القتلة والسارقين، واستمرت الأنظمة الأوروبية في تطوير ذلك التبجيل للكنائس وتقنين عُرف الجوء إليها حتى عهدٍ قريب.

وأغلب حالات اللجوء السياسي قديماً وحديثاً تتطلّب وجود الفرد في دولة الحماية بالأصل، فيحصل حينها على اللجوء السياسى. ولكن كما أسلفنا سابقا لا تتوفر للجميع فرصة مغادرة بلادهم إلى بلاد أخرى طلبا للجوء، إمّا خشيةَ القبض عليهم أو مداهمة الخطر لهم بشكل مباشر وعاجل مما لم يتح لهم وقتاً كافياً للسفر أو عدم توفر إمكانية ذلك لسبب آخر، وحينها يطرق الأفراد أبواب السفارات الدبلوماسية بحثاً عن لجوء سياسي.

فالسفارة والممثلية الدبلوماسية وبحسب الأعراف والمواثيق الدولية هي تراب أجنبي يتبَع الدولة الموفدة، وبالتالي فبمجرد أن يخطو الفرد -أياً كان- عتبة الممثلية الأجنبية فهو قانونياً في دولة مختلفة لاتملك الدولة المضيفة صلاحية فرض قوانينها الداخلية عليها، وتلك الممارسات مازالت محلَّ نقاشٍ حامٍ بين المتهمين بالقانون الدولي والقانون الدبلوماسي على وجه الخصوص.

ولنا في قضية “أسانج” صاحب موقع “ويكيليكس” الشهير خير مثال، حينما لجأ إلى سفارة الإكوادور في لندن بعد أن كان محتجزاً في منزله بقرار من السلطات البريطانية إثرَ بلاغٍ تقدمت به السلطات السويدية تتهم فيه أسانج بالإغتصاب، والتي قيل أنها مجرد مكيدة لتسليمه إلى الولايات المتحدة الأمريكية الغاضبة من تسريب منظمته لملايين الوثائق الحساسة بها. ولكن “أسانج” قام بكسر ذلك الحكم القانوني بالهروب إلى سفارة الإكوادور وتقدم بطلب اللجوء السياسي لديها وهو ما منحته إياه فيما بعد، ولكن بريطانيا رفضت أيَّ تسوية وأصرت على القبض عليه، وعلى الرغم من تهديد الحكومة البريطانية بأنها سوف تستخدم القرار البرلماني “Diplomatic and Consular Premises Act 1987” الذي يتيح لها نزع الصفة الدبلوماسية عن مقار بعثات الدول الأخرى -والذي أُقرَّ إثرَ مقتل شرطيّة بريطانية بإطلاق رصاص من داخل السفارة الليبية عام 1848م- والتلويح بأنها سوف تدخل بذلك إلى سفارة الإكوادور لاعتقال “أسانج”. ولكنها سرعان ما تراجعت عن ذلك بعد تصريحات شديدة اللهجة من قبل وزير خارجية الإكوادور ورئيسها بأن هذا اعتداء صريح على القانون الدولي وبروتوكلات معاهدة فيينا. واستمر الحال على ماهو عليه مع تعهد مستمر من قبل السلطات البريطانية باعتقال “أسانج” بمجرد خروجه من مقرِّ البعثة، وقامت بتجهيز قوات شرطة قرب المقر على مدار الساعة، إلا أنه وبعد عدة سنوات من ذلك وتكاليف قاربت العشرة ملايين باوند، سحبت بريطانيا تلك القوات المكلّفة ولجأت إلى محاولة أخرى للضغط على البعثة الإكوادورية منها التهديد بقطع خدمات الإنترنت عنها إذ لم يتوقف “أسانج” عن الدخول إلى الإنترنت باستخدام شبكتها، وهو ما وافقت عليه البعثة الإكوادرية بعد شبهات بتدخل “أسانج” في الإنتخابات الأمريكية الأخيرة.

وعلق سفير بريطاني سابق على قضية “أسانج” بسؤال وهو: هل الإكوادور وأسانج على استعداد للعيش المشترك لخمسة عشر عام؟! في إشارة ساخرة لقضية الكاردينال József Mindszenty الذي قضى خمسة عشر عاماً لاجئاً في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في المجر بعد الاجتياح السوفيتي، حتى صدرت موافقة لمغادرته الأراضي المجرية الى فيينا.

وعلى الرغم من أن جميع الدول لاتشجع على اللجوء في مبانيها الدبلوماسية في الخارج كالولايات المتحدة مثلا والتي لا تمنح اللجوء إلا للأجانب الموجودين فعلياً في الولايات المتحدة بحسب القانون الأمريكي، إلا أن هذا لا يمنع وجود عشرات الحالات من اللاجئين السياسيين في مختلف البعثات الدبلوماسية حول العالم، وتلك البعثات لا تستقبل طلبات اللجوء إلى حرمها بأذرع مفتوحة، بل في حال وضعت في مثل هذه المواقف الحرجة فإنها تحاول بذل قصارى جهدها للتوصل إلى حل مُرِضٍ والتخلص من التزام قد يمتد لأسابيع أو أشهر قبل العودة للقيام بأعمالها التقليدية وما يصاحب ذلك من توتر سياسي مع الدولة المُضيفة، وهو وضع ليس مريح للاجئ السياسي أيضاً، فلربما يتوفر لدى البعثات مطابخ وصالات ضيافة ولربما يتوسطها مجمع سكني لموظفي البعثة وبالتالي تكون هنالك خدمات متكاملة، إلا أن أغلب البعثات الدبلوماسية تفتقر إلى ذلك فهي مجرد مكاتب مصفوفة جنباً إلى جنب، ولا يصلها ضوء النهار كما يجب، وهذا ما يجعل إقامة اللاجئ مزعجة للطرفين. وفي أغلب حالات اللجوء يتفاوض بلد الممثلية الدبلوماسية مع الدولة المُضيفة لضمانِ سلامة اللاجئ، والتي تنتهي غالبا بالموافقة على إبعاده من أراضيها

 ولك أن تتخيل أن هنالك من قضى السنين قابعاً في سجن مخمليٍّ  محاصراً ومضيقاً عليه في كل شيء دون أن يخطو خارج مقر البعثة بمتراً واحداً خوفاً من مصير مجهول ينتظره خلف أبواب هذه البعثة.

وتستطيع الاستزادة أكثر حول قائمة اللاجئين الى السفارات من خلال هذا الرابط

file-page1

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s