خارج النص

حيوانات سياسية

علاقة الانسان بالحيوان قديمة بعمر الازل وقد اتخذها الكثير منهم بالفخر تشبهاً او اعترافاً بقيم عليا ربطوها بها، وتطورت تلك الرمزيات مع مرور الوقت لتمثل عشائر وقوميات وصولاً الى امم ودول، فكان الاسد على سبيل المثال شعاراً سائداً لدى الممالك الأوروبية حتى يومنا الحاضر، ومن يجهل ريتشاد “قلب الاسد” وشعاره الذي تمثل بثلاثة أسود ذهبية فلا يمكن ان يجهل عقاب صلاح الدين الايوبي ورمزية الطيور الجارحة الاكثر عراقة منذ فجر الحضارات، كرمز للقوة والعلية والحرية والتي هي من اكثر الرموز استخداما لدى العرب اليوم. وحقيقة يطيب لي الحديث عن تلك الرمزيات ومدولاتها وجذورها التاريخية اكثر، ولكن أرجئ ذلك لمناسبة اخرى واقتصرها ها هنا على ما اريد ان اصل اليه من رمزيات الدولة الاكثر قوة في عالم اليوم، الولايات المتحدة الامريكية. فهي تحمل اهتمامات الحضارات الماضية في تبجيل رمزية الحيوان والطير. ففي أغلب ولاياتها الخمسين (حوالي ٣٢ ولاية) أعتمدت الحيوانات وبالأخص الطيور كرمز لها، إلى جانب انها ومنذ آواخر القرن الثامن عشر اعتبرت النسر الأصلع الرمز الرسمي للولايات المتحدة الامريكية، الكيان الفيدرالي لجميع تلك الولايات، وقيل ان الاختيار لهذا الطير لعمره الطويل وقوته العظيمة وفخامة منظره والاعتقاد السائد ذلك الحين ان هذا الطائر لايوجد الا في القارة الامريكية فقط. فهو فخر الدولة الامريكية بلا منازع. وقد اتفهم رمزيات اخرى مثل الدب في شعار ولاية كاليفورنيا والخيل لدى ولاية بنسلفانيا والآيل لدى ولاية ميتشيغان وايداهو، ولكن أن يستخدم أكبر حزبين سياسيين شعار الفيل والحمار ! فهذا يستحق التوقف قليلاً.

بداية يجب التوضيح أن استخدام رمزية الفيل والحمار هي امتداد لثقافة امريكية شعبية تؤمن بالرموز جالبة الحظ، لذا فإن الحمار او الفيل يعنيان بها رمزين جالبين الحظ والتفاؤل اكثر مما هو شعار سياسي خالص مثلهما مثل بقية الحيوانات في شعارات الولايات الامريكية والمؤسسات السياسية. وتلك الرمزيات الفريدة تكن اكثر وضوحاً عند استعراض الساحة الرياضية الامريكية، فلدى جميع اندية دوريات الرياضة رموز جالبة للحظ يستدعيها الجمهور اثناء كل مباراة ليس فقط على أعلامهم ومنشوراتهم بل لدمى يرتديها المشجعون او المنظمون للحيوان او الرمز جالب الحظ تتراقص وتستعرض وتضفي اجواءاً حماسية على المشهد الرياضي، على الرغم من أن بعضها من الصعب تصنيفه لشدة غرابته !

ومن المعلوم أن الانتخابات الامريكية تعد أبرز الاحداث العالمية متابعةً وتناولاً لتفاصيلها بمختلف اللغات وعلى جميع وسائل الاعلام المحلية والدولية، واذ كان ذلك يعني شيئاً فهي أهمية نتائج تلك الانتخابات التي تعيد حسابات مختلف النظم والقوى السياسية حول العالم في تصرفها مع النظام الاكثر نفوذاً في العالم. وفي كل موعد انتخابات فإن التنافس الرئيسي يكون بين حزبين سياسين هما الحزب الجمهوري الذي يتقدم الساحة بشعار الفيل واللون الأحمر، والحزب الديموقراطي ذو شعار الحمار واللون الأزرق. وعلى الرغم من تراجع استخدام الرموز على حساب الالوان وشعارات المرشحين الانتخابيين إلا ان حقيقة تحول تلك الرمزيات الى علامات تجارية تدر مئات الملايين من الدولارات يستوقف البحث فيها أكثر.

ويعود رواج كل من رمزيتي الفيل والحمار الى رسام الكاريكاتير الامريكي توماس ناست الذي قام بترميز الحزب الجمهوري بالفيل وتثبيت رمزية الحمار للحزب الديموقراطي (بالمناسبة الرسام توماس ناست كان الرجل خلف شخصية سانت كلوز بشكلها الحالي و شخصية العم سام رمز الامة الامريكية ويعتبر أب الفن الكاريكاتيري الامريكي).

وهنالك عدة اقوال حول حمار الديموقراطيين، البعض يعود بابتكارها الى الرئيس اندرو جاكسون مؤسس الحزب الديموقراطي الذي قام بإستخدام شعار الحمار أثناء حملته الانتخابية في ثلاثينات القرن التاسع عشر عندما اختار شعار «لنترك الشعب يحكم»، وسخر منافسه الجمهوري كثيرا من هذا الشعار ووصفه بأنه شعبوي ورخيص، فما كان من جاكسون إلا أن اختار حمارا رمادي اللون جميل المظهر وألصق على ظهره شعار حملته الانتخابية وقاده وسط القرى والمدن المجاورة لمسكنه من أجل الدعاية لبرنامجه الإنتخابي «الشعبوي» ضد منافسه الذي كان يظهر على أنه نخبوي وليس قريبا من هموم الناس. وقد فاز بالفعل بالرئاسة الامريكية في دورتين متتاليتين. وقيل ان معارضو أندرو جاكسون  قاموا بتحريف اسمه الى “جاكاس” التي تعني الحمار، ويبدو ان مناصريه راق لهم هذا الاسم فأستخدموه بصفة ايجابية في حملاتهم الدعائية كحيوان قوي الارادة وقريب من الناس، ولكن لم يطل استخدام ذلك الشعار كثيراً. ولم يتحول الحمار إلى رمز سياسي للحزب الديمقراطي بشكل واسع النطاق سوى سنة ١٨٧٠م، عندما عمد رسام الكاريكاتير توماس ناست إلى اختيار حمار كرمز للحزب الديمقراطي يتبارز مع فيل جمهوري مذعور. ومنذ ذلك الحين أصبح الديمقراطيون يفخرون بحمارهم، بل ويدللونه عبر تنظيم مسابقات لرسم أفضل بورتريه للحمار الديمقراطي وإطلاق أفضل الشعارات السياسية التي يمكن أن ترافق صورته. والى مطلع القرن العشرين كان الشعار التقليدي للحزب الديموقراطي في كل من انديانا وكنتاكي واكلاهوما و واهايو هو “الديك” في مقابل الرمز الجمهوري “النسر الامريكي”

وظهر الفيل كشعار للحزب الجمهوري عام ١٨٧٤م عندما قام رسام الكاريكاتور الأميركي الشهير توماس ناست وكان يقصد بها السخرية من زملائه بالحزب بعد خسارتهم في مجلس النواب لصالح الاغلبية من الحزب الديموقراطي. وفي السنوات اللاحقة، واصل ناست تطوير قصة الحمار والفيل، حتى أصبح هذان الرمزان معروفين في الولايات المتحدة برمتها للإشارة إلى المتنافسيْن السياسييْن الأبدييْن.

ختاماً، لم يعد يعني رمزية الفيل بأنه يمثل القوة او الوزن الثقيل او الهدوء او يعني الحمار بالشعبية والصبر والجلَد في تمثيلهما للحزبين السياسين ، بقدر ماهي شعارات جوفاء لاتتجاوز كونها رموزاً جالبة للحظ بمثلها مثل دين بقية الكيانات الامريكية التي أضحت تتبنى مثل تلك الرمزيات. والغلبة في السياسة الامريكية لم تكن يوماً مرتبطة برمز الحزب أكثر مما هي برامج مهولة وشبكة معقدة من المصالح تمتد على طول وعرض القارة الامريكية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s