أنا التاريخ

الإبادة في عصرنا من “مرو” إلى “حلب”

شاهدنا حلب تُستباح وتُقتل أهاليها في الشوارع وتُهدم البيوت على سُكانها وتُقصف المستشفيات ويُدفن فيها المريض والطبيب وسط تخاذل عالمي مقيت وأصوات شجب وندب هنا وهناك، ولكي نفهم لماذا يجرؤ الطاغية على ذلك ولا يخشى لومة لائم علينا أن نتمعن في التاريخ الإنساني المليئ بالمجازر التي أرتكبت من قبل الدول على المستويين الداخلي ضد شعوبها والخارجي ضد الشعوب الأخرى. وإن كانوا يقولون أن التاريخ يكتبه المنتصرون صحيحاً الى حد بعيد، ولكن ليس عندما يأتي الأمر على حساب دماء الملايين من البشر، أن الفظاعات التي ارتكبت أثناء محاولات الإبادة لطوائف وشعوب على أساس قومي أو عرقي أو ديني أو سياسي، صنفت كجرائم دولية تلاحق من قبل المنظمات والشرط الدولية. وللأسف تكبدت شعوبنا الشرق الاوسطية النصيب الاكبر من تقتيل وتشريد منذ الغزو المغولي البربري الذي ماوطئ ارضاً عامرة بالسكان والعمران والا وخرج منها خاوية على عروشها، فدخلوا بلدة “مرو” ذات السبع مئة الف نسمة وخروج منها بعد ان قتلوا سبع مئة الف نسمة، واقتحموا بغداد التي لم يقفوا عندها على افناء البشر وحسب بل دمروا أكثر حضارات العالم اشراقاً حتى أصبح ماء نهري الدجلة والفرات اسود اللون من كثر ما اتلفت فيه الكتب والمؤلفات. وليس ذلك ببعيد عن الاندلس الضائعة التي استباح فيها قوم ايزابيلا ملكة قتشاله دماء المسلمين واليهود حتى لم تعد تحمل الاندلس بين جنباتها الا بقايا الحضارة الاسلامية من بضع حصون وقصور. وصولاً الى القرن العشرين وما قام به النازيون، أثناء الحرب العالمية الثانية، ومانتج عنها من مقتل أكثر من ٨٠ مليون شخصاً !! واضف الى ذلك مجازر الأرمن وسيفو وأن لم تعترف بها دولة تركيا وريثة الامبراطورية العثمانية التي اتهمت بإبادة أكثر من مليون نسمة من الاقليات، وكذلك مجازر سميل بحق آشورين العراق والانفال بحق أكرادها ومذبحة سربرنيتشا بحق مسلمين البوسنة من قبل القوات الصربية والتي وصفها الأمين العام للأمم المتحدة على أنها أسوأ جريمة على الأراضي الاوروبية منذ الحرب العالمية الثانية والتي راح ضحيتها قرابة عشرة الاف بوسني، كما كانت هنالك مجاعة هولودومور بأوكرانيا في ثلاثينات القرن الماضي التي قدرته ضحاياها بقرابة مليوني اوكراني تسبب بها الاتحاد السوفيتي. ولا ننسى مذبحة صبرا وشاتيلا وقرابة اربعة الاف فلسطيني عُزل قتلتهم بدم بارد المليشيات اللبنانية الطائفية بحماية اسرائيلية قادها المقبور شارون في الثمانينيات، وسامت افريقيا بنصيبها من المجازر حيث ابيد مايقارب ٨٠٠ الف في مايعرف بالابادة الجماعية في رواندا بالتسعينات خلال مئة يوم فقط! على اثر انتقام من مجازر لحقت بالمعتدين في بورندي في السبعينات الميلادية وكذلك في السودان في أقليم دافور التي رجحت احصائيات الامم المتحدة وفاة مايقارب ٣٠٠ الف نسمة نتيجة نزاعات العنف والاقتتال الداخلي. وخسرت اليابان أكثر من ٢٠٠ الف من سكانها نتيجة القنابل الذرية التي أسقطت على هيروشيما وناجازاكي من قبل القوات الامريكية في الايام الاخيرة من الحرب العالمية الثانية، ولامفاجأة في ذلك اذا عرفنا ان الدولة الامريكية الحديثة قامت على انقاض ابادة الملايين من الهنود الحمر سكان القارة الامريكية الاصليين وتدمير ثقافتهم وتاريخهم وتهميش وجودهم.

وعلى الرغم من ان الكثير من الاخلاقيين اليوم يتبجحون باننا في عصر حقوق الانسان وهذا صحيح الى حد ما، إلا ان الابادات على مسمع ومرئى من العالم اليوم ولا حياة لمن تنادي، فهاهي سوريا تذبح كل يوم في حماة وحلب وأدلب وأريافها وتستباح مدن العراق من الموصل والفلوجة وتعيث اسرائيل فساداً قتلاً وتدميراً للفلسطينيين ولم تستطع دول حاملة لواء حقوق الانسان ومنظماتها الثرثارة وقف اطلاق رصاصة واحدة ضد الأطفال والنساء والمدنيين. وها هم مسلمين الروهنجيا مستضعفين في الارض ترتكب في حقهم ابشع المجارز والتضييق كل يوم في بورما من قبل القوات البوذية المتطرفة بمشهد من العالم اجمعه ولم ينتصر لهم أحد. على الرغم من جهود بذلت هنا وهناك لمحاكمة مجرمي الحرب واقامت المحاكم الدولية والمنظمات المتخصصة ونشر قوات القبعات الزرق التابعة للأمم المتحدة كقوات محايدة تضمن مراقبة السلام الهش، الا كل ذلك لم تمنع يوماً طاغية من الاستبداد بشعبه وعنف مليشيا حزبية ضد تركيبة سكانية اخرى.

الوضع تعيس ولا يمكن اصلاحها طالما بقي الوضع الدولي الحالي على ماهو عليه من وحدات دولية تحصن نفسها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتتترس خلف السيادة.

نايف الفضلي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s