خارج النص

طبع العملات والحلول السحرية

لربما شاهدت او سمعت او قرأت خبراً عن معاناة اقتصادية تعصف بدولة ما، وأن الناس باتوا لايستطيعون شراء قوت يومهم ، وقد ابتلع الفقر الملايين من الناس. وطرأ على ذهنك هذا السؤال; لماذا لا تقوم حكوماتهم بطباعة المزيد من العملة وتوزعها على شعوبها المسكينة؟ ويصبح الكل يستطيع ان يشتري!

ولكن هل هذا الامر عملي ؟

في الحقيقة نعم !

وقد قامت فيه عدة دول، واجهت ازمات اقتصادية خانقة وقامت بطباعة المزيد من العملة واستخدامها لتغطية العجز في ميزانيتها من خلال استمرار الانفاق على الرواتب والمشاريع التنموية وغيرها وبالتالي توفر المزيد من المادة في ايدي شعوبها.

ولكن مالذي حدث ؟

هنالك اجابة واحدة فقط لهذا السؤال : الأنهيار الاقتصادي !

بالطبع، طبع العملات ليس المسبب المباشر للانهيار الاقتصادي بقدر ماهو بسبب التضخم، والذي يدخل فيه عدة عناصر منها طباعة العملات.

جميع كمية الأموال الموجودة في ايدينا كسيولة او البنوك كوديعة محسوبة لدى الاجهزة المختصة في الدولة، لذا فإن قرار سحب بعضها او اضافة المزيد منها هي قرارات حساسة تدرس بعناية فائقة جداً، وهي تفترض نتائج قابلة للتنبأ بنسبة كبيرة بفضل الدراسات المالية والاقتصادية والتجارب المريرة في تاريخ اقتصاديات الدول. من هنا تحدد الدولة كم تطبع من نقود، بحيث تحافظ على قيمة أو قوة شرائية العملة الوطنية أو سعر صرف معين مقابل العملات الاجنبية . مع استبدال العملات التالفة او الجديدة بنفس الكمية وبالتالي تتفادى أية تأثيرات مالية مثل التضخم. ولكن عندما تكون ميزانية الدولة بحالة عجز ( أي مصاريفها أكثر من إيراداتها ) وفي ازمة مالية حادة مثل التي طرحناها في بداية المقال، فإن هناك عدة حلول تطرح للتخلص من العجز ومعالجة التضخم. الحل الأسهل والأخطر هو ما يعرف بالتمويل بالعجز أي طباعة أموال بقيمة العجز وضخها في الاقتصاد.

طباعة العملات يعني أن تضخ مزيداً من العملات النقدية في السوق من قبل الدولة وهذا يجب ان يتناسب مع حجم الاقتصاد ومع حجم النمو، اذا تم ضخ عملات نقدية أكبر من حجم الاقتصاد ( المكون من السلع والخدمات والعوائد الموجودة بالدولة ) ، فإن القيمة الشرائية للعملة تقل، وترتفع الاسعار ويرتفع معها التضخم ، والتضخم هنا يعني الارتفاع المفرط في المستوى العام للأسعار .

لتقريب الفهم : الكثير منا كان يتندر او يتحسر أن ورقة الخمسمئة ريال قبل عشرين سنة كان تملئ عربة تسوق مما لذ وطاب، والان بالكاد تكفي سلة تسوق صغيرة ! .هذا بالظبط مايفعله التضخم، أن تدفع أكثر لحيازة نفس السلعة !

فالعرض قليل (السلع) والطلب مرتفع (النقود) والكل يريد شراء نفس السلعة، والقاعدة الاقتصادية الشهيرة تقول انه كلما زاد الطلب قل العرض. وبالتالي الكل سوف يدفع اكثر لنفس السلعة، وهكذا تفقد النقود المزيد من قيمتها بصورة متسارعة. هذه هي النتيجة الأساسية، ولكن هنالك ايضاً اثار سلبية اخرى على الاقتصاد ككل قد تؤدي الى انهيار العملة وليس فقط التقليل من قيمتها، وبالتالي انهيار اقتصاد الدولة بأجمعه، وأهمها فقد ثقة المواطن في العملة ! فما اذا انتشر الفزع من تدهور قيمة العملة الوطنية فإن ذلك سوف يدفع الناس الى التخلص منها في مقابل شراء العملات الاجنبية والاحتفاظ بها او تصريفها للخارج والهروب برؤوس الأموال وهذا ما سوف يعجل في انهيار قيمة العملة الوطنية بشكل كبير جداً يؤذدي في نهايتها الى الانهيار الاقتصادي .

لذلك نشاهد دول تعاني من أزمة مالية خانقة تتوقف على اثرها دفع المرتبات والمسيرات المالية لموظفينها شهوراً طويلة دون أن تجرأو على طباعة المزيد من العملات وتسديد تلك المستحقات ، تفادياً للمصير الخطر جداً امام هذا الحل المغري والرخيص.

وحقيقة ، انهيار العملة احد اكثر النتائج المنتشرة في العشرات من البلدان نتيجة للعديد من الاسباب الاقتصادية والسياسية ، وصلت بالبعض منها أن تبيع وتشتري في عملاتها الوطنية بالكيلوجرام  كالعملة الصومالية “الشلن”! وبعضها تطبع فئات ذات ارقام عالية ولكنها لاتكاد تساوي شيئاً، فالدينار العراقي في اعلى فئاته هو ٥٠،٠٠٠ (خمسون الف دينار) لايكاد يساوي ٤٠ دولار امريكي! أو الريال الايراني الذي أكثر من ٣٢ الف منه لاتساوي إلا دولار امريكي واحد !!، وبعض العملات انقرضت واوقف التعامل معها مثل الدولار الزيمبابوي بعدما وصل سعر السنت الأميركي الواحد إلى 500 مليار دولار زيمبابوي عام 2008م ! ونعايش اليوم أحد احدث الانهيارات الاقتصادية في فنزويلا التي تعتمد على صادرات النفط بشكل رئيسي والتي تواجه ضغوط رهيبة في النقص الحاد في المواد الغذائية، وشح السيولة وتهاوي العملة المحلية التي شكل تراجع عائدات البلاد من النفط سببها الرئيسي، وقد خسر البوليفار الفنزولي – العملة المحلية – مايتجاوز ٦٠٪ من قيمته في شهر واحد فقط ! مقابل الدولار الأميركي.

ختاماً، هل طباعة العملة في كل الاحوال عمل سيء ! في الحقيقة فإن طباعة المزيد من النقود قد يكون أحد أدوات السياسة الاقتصادية لإنعاش الاقتصاد والحث على زيادة الإنتاج. وتستخدم هذه الأداة فقط عندما يكون الاقتصاد في حالة نمو وليس في ركود (ازمة). حيث تكون النقود بمثابة دماء جديدة تضخ في شرايين الاقتصاد الوطني مما تؤدي إلى انتعاشه. حيث في هذه الحالة، يؤدي طباعة المزيد من النقود إلى خفض الأسعار، ومن ثم إقبال أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار في هذا البلد لرخص أسعاره، وتشجيع المواطنين على صرف المزيد من مدخراتهم، فيزيد الإنتاج تبعاً لذلك. وبزيادة الإنتاج يزيد المعروض من السلع والخدمات، مما يؤدي إلى انخفاض الأسعار مرة أخرى. وأكثر من أتقن هذه السياسة هي الادارة الامريكية التي أعتمدت على قوة اقتصادها العالمي وتدويل عملتها مما دفعها لمواصلة طباعة المزيد من الدولارات الامريكية لمواكبة نمو واستمرار هيمنتها الاقتصادية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s