خارج النص

كيف تعمل الأقدار

ملاحظات حول دور الصدف الصغيرة : الحصان مهلهل أنموذجاً

لا أذكر من القائل بأن الحياة عبارة عن سلسلة من الأحداث الصغيرة تقود إلى نتائج عظيمة! ربما كانت تأثير الفراشة وهو مصطلح فيزيائي وفلسفي يحاول تفسير كيف أن حدث قد يكون بسيطا في حد ذاته، لكنه يولد سلسلة متتابعة من النتائج والتطورات المتتالية والتي يفوق حجمها بمراحل حدث البداية، وبشكل قد لا يتوقعه أحد، وفي أماكن أبعد ما تكون عن التوقع! لا بد أنك مررت بمثل هذا الموقف حينما قرأت في سيرة شخص ما، أو مررت بحكاية عن دور مفصلي في حياة أحد أو مجتمع أو حتى دولة، وكانت نتيجة لحدث صغير قد تعتقد للوهلة الأولى أنه غير مهم، ولكنك  في نهاية الأمر لن تتصور تلك النتيجة .الهائلة بدون تلك الاحداث الصغيرة المترابطة  

فمثلاً الكثير يعلم أن سبب اشتعال الحرب العالمية الأولى لم يكن غزو دولة لدولة أخرى- كما حدث في الحرب العالمية الثانية مع طموحات هتلر- وإنما كان لاغتيال ولي عهد النمسا آنذاك على يد متطرف صربي في سيراييفو؛ والذي قاد إلى سلسلة سريعة من الأحداث أدت إلى نشوب الصراع الأوربي الدموي. وهذا لم يكن لولا أن ولي عهد النمسا قُتل، ولم يكن ليقتل بتلك الطريقة لولا خطأ السائق ! فولي العهد سبق وأن تعرض لعدة محاولات اغتيال، آخرها كان في نفس المدينة أثرانفجار قنبلة بجانب سيارته، والذي أصيب فيه مساعده واقتيد إلى المستشفى لتلقي العلاج. وعوضاً عن استدراك الخطر والعودة إلى العاصمة أصر على زيارة مساعده بالمستشفى، فما كان من السائق إلا أن سلك منعطفاً خاطئاً، وبالمصادفة تواجد أحد الذين حاولوا .قتله في المرة الأولى، والذي تعرف على الأمير فأطلق عليه النار وقتله

إذ لم تشعر بتأثير الفراشة هنا، فلربما سوف تظن بأن جندي بريطاني تسبب في مقتل ٦٠ مليون شخصاً أبعد ما تكون عن المنطق ! ففي الأيام الأخيرة للحرب العالمية الأولى عام ١٩١٨م، أقدم الجندي البريطاني “هنري تاندي” على العفو عن جندي ألماني في فرنسا؛ إثر انهزام الألمان، حيث شاهد” تاندي” جنديًا ألمانيًا جريحًا يهيم مذعورًا، فصوّب سلاحه نحوه كي يقتله، “لكنه شعر بالأسى للجندي فتركه يفر، وقد أومأ الأخير ممتناً لـ”تاندي”. كان ذلك الجندي الألماني المذعور هو “أدولف هتلر

أَثر الفراشة
أَثر الفراشة لا يُرَى
أَثر الفراشة لا يزولُ

هو جاذبيّةُ غامضٍ
يستدرج المعنى، ويرحلُ
حين يتَّضحُ السبيل

محمود درويش

وأنا أقرأ في كتاب “ فوزان السابق “ – وهي محاولة جادة من المؤلفة حصة البريدي لسبر أغوار أحد الشخصيات المهمة في عهد تأسيس المملكة، وأول وكلاء وممثلين الملك عبدالعزيز خارج الحدود الوطنية الشيخ “فوزان السابق” وكيل الملك عبدالعزيز في دمشق ومصر – مررت على قصة صداقة الشيخ فوزان مع رجل الأعمال الأمريكي” تشارلز كرين” التي شكلت فاتحة خير على المملكة العربية السعودية، حيث أدت إلى اكتشاف بئر (٧) في الدمام، الذي تدفق منه كمية نفط هائلة ؛غيرت المملكة إلى “.الأبد. هذا الاكتشاف العظيم ربما لم يكن لولا الحصان الذي يُدعى “مهلهل !!

هنالك عدة روايات إحداها تقول بأن المستر “كرين” كان محباً وهاوياً للخيل الحربية ، وقام بزيارة مصر المشهورة بسباقات الخيل العربية، وبتوصية من المفوض الأمريكي في القاهرة حضر لزيارة الشيخ “فوزان السابق”، الذي أحتفى به واستعرض ؛أمامه أسطبل خيله. وما أن شاهد مستر “كرين” الحصان “مهلهل ” الذي كان أثيراً لدى الشيخ ، حتى انبهر ولم يتمالك نفسه فأخرج دفتر الشيكات وطلب من الشيخ وضع القيمة التي يشاء لهذا الجواد، وقد طلب الشيخ فوزان من المترجم أن يخبر مستر “كرين” بأن يدخل دفتر شيكاته، فالجواد هدية له. فدهش “كرين “من تصرف مضيفه، الذي أدخل سروراً عظيماً في نفسه، فأراد أن يرد للشيخ هديته، وبينما كانا يتناولان القهوة في ضيافته قال ” كرين” (أن بلدكم فقير، ولكن لا بد من وجود ثروات معدنية في باطنه، على الأقل الماء ) وأنه يرغب بالمساعدة في البحث عنها. وأعرب عن رغبته في زيارة المملكة ومقابلة الملك عبدالعزيز للحديث في هذا الشأن، فرحب الملك بذلك، واستضافه في جدة لمدة أسبوع وكان أول أمريكي يلتقيه الملك عبدالعزيز ،فعرض على الملك بالسماح له بعمل مسح جيلوجي كامل – بدون مقابل هدية منه على نفقته الشخصية- لبعض مناطق البلاد والتنقيب عن الثروات في باطن الأرض . وبعد موافقة الملك غادر ” كرين” عائداً إلى الولايات المتحدة، وأرسل من هناك إلى الشيخ “فوزان ” قائمة من عشرين خبيراً أمريكياً؛ ليختار أحدهم ليباشر المهمة، ووقع الاختيار على ” كارل س. تويتشل”، الذي قام مع فريقه بزيارة كل من جدة والأحساء، ورفع بذلك تقريراً أن المنطقة ليست ذات غنى بالموارد المعدنية، ولكن هنالك فرصاً جيدة لاكتشاف مكامن نفطية في المنطقة الشرقية. وبعد اجتماعه مع الملك عبدالعزيز طلب جلالته من المهندس العودة إلى الولايات المتحدة، والتعاقد مع أحد شركات النفط المهتمة، ووافقت عليها شركة “ستاندر أويل  أوف” كاليفورنيا التي تولت “التنقيب واكتشاف بئر (٧) في الدمام، و الذي أطلق عليه الملك عبدالعزيز اسم “بئر الخير.

الشيخ فوزان السابق

هنا تسائلت! أين تأثير الفراشة في هذه الحكاية ؟ الحصان مهلهل ؟ أو السيد كرين ؟ أو ربما كرم الشيخ “فوزان “، واكتسابه لصداقة الأمريكي؟ أم هو تجاوب الملك المؤسس لرغبة السيد “كرين” – مع علمه بأن هذا سوف يعني إزعاجاً للسلطات البريطانية، التي تراقب خطوات الملك عبدالعزيز بدقة شديدة آنذاك-  أم للمهندس العبقري”ماكس ستينكي” -الذي أوفدته .شركة النفط الأمريكية-، أو الفضل كله يعود إلى الرجل العامل الذي ضرب الصخرة الأخيرة لتتفجر نوافير النفط من تحتها

خارج النص

١٣

Black cat kitten looking at the camera, isolated on white

يقال أن البحرية الأمريكية لا تحرك أي سفينة عسكرية في مهمة تتوافق مع تاريخ ١٣ من أي شهر ، ولا يرجع ذلك لأي شي عدى أن القائمين على البحرية الامريكية يمثلون ثقافة واسعة في الولايات المتحدة تعتقد بشؤم هذا الرقم٫ وأن قرابة ٢١ مليون أمريكي يعانون من رهاب هذا الرقم، خاصة إذا توافق مع يوم جمعة !

أذكر مصادفتي لهذه المفارقة في أول زيارة لي لمدينة نيويورك حيث خططت للذهاب لبرج إمباير ستيت، المعلم الاسمنتي الشهير في الولايات المتحدة والتي دارت حوله العديد من الأفلام أشهرها (كنغ كونغ) وسرعان ما أقتطعت التذكرة للذهاب الى المصعد المخصص للصعود الى المطل الشهير للبرج ٫ وأنا في خضم الاستمتاع بهذه التجربة تناهي لي تعليقات هامسة من بضعة سواح خلفي بأن ليس هنالك زر للطابق (١٣) في المصعد! وفعلاً كان هنالك الطابق (١٢) ثم يقفز الى الطابق (١٤) صعوداً !!

هذا الشيء عاد بي للذاكرة فوراً الى مقاعد دراسة اللغة في كاليفورنيا في احدى حصص اللغة حيث كان الدرس حول الخرافات والمعتقدات الغريبة في العالم٫ وعلى رقم التعجب من تشابه أوجه الطيرة والتشاؤم من بعض الرموز في العديد من الدول والثقافات وإعتقادنا بأن المعلمة الامريكية لا شك سوف تضحك بشدة على تلك الخرافات المنتشرة عند الطلبة إلا انها شاركتنا الحديث بأن اللامريكيون ايضاً يؤمنون بالعديد من تلك الرمزيات! حينها عرفت أن الرقم ١٣ يعد شؤماً لا يمكن إغفاله خاصة الا توافق مع يوم الجمعة، حتى المتنورين منهم يحاولون الابتعاد عن عقد صفقاتهم وقراراتهم المهمة في ذلك اليوم تحرزاً من اخافة شركائهم.

paraskevidekatriaphobia : المسمى العلمي لتشخيص الاصابة برهاب الرقم ١٣

يقول الامريكيين أن فشل مشروع أبولو في عام ١٩٧٠م لم يكن أن يكون لو تأخرت في انطلاقها يوماً واحد فقط٫ ولكن أن تُسمى الرحلة أبولو ١٣ وتنطلق في ١١ من شهر نيسان وفي الساعة ١٣ ( ١ مساءً) والدقيقة ١٣م  ولم يأتي اليوم ١٣ حتى انفجر خزان الاوكسجين وكانت على وشك أن تكون كارثة ! فهذه ليست مجرد صدفة بقدر ماهي إعلان مسبق بكارثية هذه الرحلة !

ولم يتوقف الامريكون هنا في الاستدلال على جدية هذه اللعنة ! فهم يستذكرون الكثير من الأمثلة على خطورة هذا الرقم يرجعونها الى أن صلب عيسى بمعتقدهم كان في اليوم ١٣ من جمعة شهر نيسان، وقبل ذلك كأن الضيف الثالث عشر في ليلة العشاء الأخير مع عيسى هو يهوذا الإسخريوطي التلميذ الثاني عشر من تلامذة المسيح والذي قام بخيانته ! واذ لم يكن هذا كافياً للمعتقدات الشعبية الأوربية التي تقول بأن الساحرات يجتمعن في ذلك التاريخ في مجموعة تتكون من ١٢ ساحرة ويكون الثالث عشر هو الشيطان ! كما أنهم يشتاؤمون من الاشخاص الذي يحملون أسماً يتكون من ١٣ حرفاً ! وإذا اعتقدت ان هذه مبالغة فسيوف يغرقونك بأسماء مشاهير من القتلة والمغتصبين مثل تشارلز مانسون، وجيفري داهمير و ثيدور بوندي ، وحتى أدولف هتلر !

لهذا يندر ، بل أقول مستحيل أن تجد في الولايات المتحدة منزلاً مرقماً به أو رحلة جوية كذلك أو غرفة في فندق في الولايات المتحدة. وفي حال دعوتك لحفل عشاء فاخر فتأكد من احصاء عدد الجالسين على الطاولة الواحدة فلن يكونوا بأي حال من الاحوال يتجاوزون العدد ١٢ شخص.

على الرغم من تشأوم الأمريكيون وكثير من الدولة الأوربية من هذا الرقم إلا أن هنالك شعوباً وثقافات تعتقد أن رقم الحظ ! فالايطاليين والصينون يتفائلون به.

والآن ، هل تعتقد أن العرب مازالو يؤمنون في الطيرة ورمزيات للشؤم ؟

خارج النص

إحسائي في نيويورك

(١)

بالأمس كانت الأمسية الختامية للشاعر السعودي عبداللطيف بن يوسف . هذا المهندس الشاب الذي نقل ارتجافات السعف و زبد الخليج الى حواضر منهاتن.

كان فعلاً قطب للأمسية دار في فلكه كوكبين، دفء شمس جسيكا، و ضيء قمر أحمد، لو غاب احداهما لا انكسف الاخر او انخسف. فتكاملوا وتناغموا وكأنما القصيدة هي من كتبتهم، وعزفت على أوتارهم، وأطلقت السنتهم.

(٢)

نحن نعلم يقيناً ان حواضرنا وباديتها مترفة بالمبدعين، نابضة بكل فن يخاطب القلب وخفايا النفس، يعبر جسور اللغة ويتجاوز الهويات الصلدة، ونحن بها فخورين بها للغاية.

هنا، في العالم الغربي، يعيشون نفس القولبة الإبداعية. لهم شعراءهم، موسيقيين، أدب ومسرح، مع فارق بسيط، العالم بأسره يلحظ “تحضرهم” بهولاء الأعلام.

وهم هنا يوماً عن يوم يزدادون فخراً، -فهاذا العالم يتحدث عنا، يشغل بِنَا، يلهث خلف تصدرنا، ويدور حول قبلتنا الانسانية-. وهم في ذلك محقين.

وحين يأتي الحديث عن الشرق، فأين نحن من الشرق ! اطلال تكاد تندثر، وافكار بالية خلقتها المكنة الهوليودية منذ فيلم ليالي عربية في مطلع الخمسينات الميلادية من القرن المنصرم ومازالت تتجدد، ومفكرين وأدباء، الحق منهم يخفت صوته، والجائر يملئ الدنيا ضجيجاً عن كم نحن متخلفين، عالة على البشرية، بيئة جدباء لا تنبت الا خطرا على حضارتهم المشعة.

(٣)

لذا كانت الحاجة ماسة لأن نخرج من حياض المحلية، الى المحيط الواسع، لايثبطنا موج كالجبال أن نعبرها من اقصى الأرض لأدناها كما فعل اجدادنا الصالحين، لثبت أننا نملك الباع الكبير الذي يخولنا ليس فقط أن نتصدر المشهد كما قال سمو الأمير خالد الفيصل “مكاننا الطبيعي في الصف الأول من العالم الأول”، بل ونكمل مسيرة العالم الى توليد المزيد من الإبداع .

هنا تأتي جهود مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي في برامج الشراكة مع نظراءهم الامريكان بخلق تلك الفرص، يغير أفكار شاخت ويولد لنا في كل لحظة صديقاً جديداً، يرى السعوديين على حقيقتهم، ليضعهم في نفس الصف الأول مع كان من كانوا جالسين فيه.

هنا، نحن بحاجة الى عبداللطيف كل يوم. يأتي بإبتسامة دافئة تصافح حواسهم قبل أن يخاطب عقولهم ، فنحن ايضاً نشرب قهوة سوداء، ونشتاق لأحبابنا، ولا نملك بئر من النفط في ساحات منازلنا.

خارج النص

طبع العملات والحلول السحرية

لربما شاهدت او سمعت او قرأت خبراً عن معاناة اقتصادية تعصف بدولة ما، وأن الناس باتوا لايستطيعون شراء قوت يومهم ، وقد ابتلع الفقر الملايين من الناس. وطرأ على ذهنك هذا السؤال; لماذا لا تقوم حكوماتهم بطباعة المزيد من العملة وتوزعها على شعوبها المسكينة؟ ويصبح الكل يستطيع ان يشتري!

ولكن هل هذا الامر عملي ؟

في الحقيقة نعم !

وقد قامت فيه عدة دول، واجهت ازمات اقتصادية خانقة وقامت بطباعة المزيد من العملة واستخدامها لتغطية العجز في ميزانيتها من خلال استمرار الانفاق على الرواتب والمشاريع التنموية وغيرها وبالتالي توفر المزيد من المادة في ايدي شعوبها.

ولكن مالذي حدث ؟

هنالك اجابة واحدة فقط لهذا السؤال : الأنهيار الاقتصادي !

متابعة قراءة “طبع العملات والحلول السحرية”

خارج النص

الملاحم الأدبية – مُختصر

بادئ ذي بدأ، سوف اتحدث معكم قليلاً عن الملاحم الادبية التي أنا واقع في ظل سحرها منذ أشهر ولم أستطع سبيلاً  للفكاك منها الا بأن اسطر بعض تلك القراءات هنا عسى ولعلَ ان يمنح ذلك بالي راحة وتحظى كلماتي التالية بعض البقاء. ومن هذا احذركم اذا كانت لديكم النية الصادقة او الاقبال القريب على قراءة اي من تلك الاعمال التي سوف اعرج عليها هنا بأن لا تكمل القراءة بعد هذه المقدمة، فما يلي ذلك اشبه بحديث فتى مزعج يشاهد معك فيلماً للمرة الثانية ويخبرك ان البطل سوف يُقتل بعد لحظات ويطلب منك بعدها التركيز لئلا تفوت المشهد!

من المعروف أن لكل الامم قصص، ولا يمكن ان تنشأ وتنهض أمة بدون ان تخلق رجالاً يثيرون اعجابها وتتجلى فيها اعمال الابطال، وهنا تأتي الملاحم التي تمزج بين الحقائق والخيال، بين الاساطير والبطولات، فقد يوجد فارس يستطيع  في معركة واحدة ان يقتل ٥٠ فارساً، ولكن الاسطورة تضيف بضعة اصفار امام ذلك الرقم، وليس هذا بكذب في عرف الاسطورة ! بل هو فخر الامم الذي يستلزم ان يكونوا الابطال على قدرها.

والملاحم لا يمكن تعريفها الا بان تكون تراجم منظومة شعراً وتفرد نثراً فيما بعد، وهي في كل الامم تكون في اولها شعراً يتغنى بها الناس ويتوارثون ابياتها حتى يأتي من ينظمها ويدونها.

وهاهي أهم الملاحم الكبرى المشهورة في الادب البشري في زماننا هذا:

١-  الالياذة و الأوديسة.

هاتان هما فخر الامة اليونانية التي أولدت فلسفة العالم المدني الاولى وأنجبت علمائها السابقين على غيرهم. وكلا الملحمتين بلغتا من العمر اكثر من ٢٧٠٠ سنة تقريباً.

محور الالياذة هي غضبة “أخيل” بطل اليونان على قومه ثم حميته لهم. وكان قد اعتزلهم في حرب “طرواده” -الحرب الأشهر في تاريخ اليونان- وذلك نقمة على ” أجاممنون” زعيم اليونان الذي غصبه فتاة أسيرة (بنت اخ ملك طرواده-. ولكن القصة لا تتناول على سعتها إلا وقائع الأيام الأخيرة من عشر السنوات التي حاصر فيها اليونان مدينة طرواده. وربما من المناسب هنا ان تشاهد الفيلم الرائع (طرواده) بطولة براد بيت.

اما الاوديسه فهي تروي قصة الملك “أوديسيوس” و-هو بالمناسبة صاحب الفكرة العبقرية “حصان طراوده” التي بها انتصر بها قومه- عند عودته من طروادة والتي تعرض فيها للعديد من الأخطار مع طاقم سفينته طيلة عشر سنوات بعد ان أغضب عليه اله البحر بوسيدون بفقأه لعين ابنه العملاق ذو العين الواحدة! وطوال هذه الفترة تبقى زوجته “بينيلوبي” بانتظاره، ممتنعة عن الزواج، رغم العروض الكثيرة التي تتلقاها، خاصة بعد وصول أغلب المحاربين في حرب طروادة ما عدا زوجها. تنتهي الملحمة بوصوله إلى “إيثاكا” وقيامه بالانتقام من الذين اضطهدوا زوجته بتلك الفترة. وبالنسبة لي فهي اكثر متعة وجموح ادبي من غيرها.

٢- الانياذة

لنقل انها النسخة المقلدة من الالياذة والاوديسة! ولكنها رغم ذلك تعتبر مفخرة الرومان دون منازع، فهي قصة وضعها الشاعر الروماني “فرجيل” بعد ان قضى اثنتي عشرة سنة في تأليفها ومات مريضاً قبل أن يتمها، ليحكي فيها كيف وُجدت روما التي حكمت العالم ذلك الحين، وموضوعها متصل بموضوع الالياذة اليونانية وذلك ان بطلها أنياس أحد حلفاء الطرواديين الذين هزموا من قبل اليونانيون نجح في ان يرحل في جماعة من قومه يرتاد أرضا بعد ارض حتى بلغ قرطاجه وقابل ملكتها ثم ايطاليا حيث أكرمه الملك لاتينوس و زوّجه ابنته ثم استخلفه على الملك. و كان من أعقابه، فيما يقال، روملوس مؤسس رومية.

٣- المهابْهارتَه و الرامايَنا .

أو المشهورة بالملاحم الهندية، والمهابهارته تقارب مائة ألف بيت باللغة سانسكريت، وهى قِصص موصّلة تدور حول تنافس بنى العم من بنى بهارتَه و هما بيتا “كورقَا” و”پاندفا” تنافسوا على الملك، و بعدما تحاربوا ثمانية عشر يوما على أرض كُرُكشِترا فى مملكة متسِيا انتهت الحرب بفناء بيت كورقَا .وتنتهى القصة بزهد الأمراء الباقين أمراء پاندفا، و اعتزالهم العالم، ورحلتهم إلي جنة إنَدرا.

و في الراماينا قرابة ثمانية و أربعين ألف بيت، و معظمها لشاعر واحد. و بطلها راما ابن ملك أوده، ولّاه أبوه العهد فسعت أم أخيه بهراتا حتى عزم الملك على أن ينفيه أربعة عشر عاما. فانصاع راما و عاش في البرّية و أبى أن يرجع حين دعي ليتولى الملك وزهد في ذلك. ثم إن ملك الجن في جزيرة سيلان، و اسمه راقنا. أحب سيتا زوج الأمير راما فحطفها. فذهب راما لاستخلاصها. و أعانه ملك القردة على عبور مضيق سيلان. وكذلك ناصره أخو ملك الجن. و انتهى القتال بأن قتل راما ملكَ الجن، و استولى على مدينته، و أجلس أخا ملك الجن على عرشها. ثم رجع راما و زوجه سيتا ظافرين إلى أوده. اضافة الى حوادث اخرى تتعلق في راما.

٣- جلجامش

ملحمة جلجامش هي ملحمة سومرية مكتوبة بخط مسماري بلغة الاكادية لبلاد مابين النهرين، تحكي عن جلجامش وهو ملك ظالم كانت والدته إله خالداً ووالده بشراً فانياً، وبسبب هذا الجزء الفاني ادرك حقيقة انه لن يكون خالداً فبدأ في رحلة البحث عن الخلود، وقد  خلقت الاله مخلوق هو انكيدو الذي أصبح العدو الاقوى لجلجماش الا ان انتصر عليه بالحيلة فيصبحا صديقين في رحلة البحث عن الخلود الذي استنتج في النهاية ان الخلود بالاعمال لا بالاعمار.

٤- الشاهنامة

تعد الشاهنامة الملحمة الوطنية لبلاد فارس “ايران”، نظمه الفردوسي في عام ١٠٠٠م بأكثر من ٣٥،٠٠٠ الف او ٥٠،٠٠٠ الف بيت من الشعر خلال ثلاثين عاماً، وهو مبني بشكل رئيسي على نسخة نثرية سابقة، كانت تجمع القصص الإيرانية القديمة والحقائق والخرافات التاريخية. وللكتاب عند الفرس مكانة عظيمة وهو سجل تاريخهم، وأناشيد مجدهم، وديوان لغتهم. وقد سماه لسان الدين بن الخطيب قرآن الفرس

وموضوع قصص الالياذة والاوديسة والانياذة وحتى المهابرتا و غيرها من الملاحم الكبيرة هي حوادث متتابعة في سنين قليلة، كقصة واحدة من قصص الشاهنامه- كالحرب بين بنى أفريدون، أو حرب كيكاوس و الجن فى مازندران، أو قصة سهراب و رستم، أو قصة سِياوخش بن كَيكاوُس . فهي على عكسها لا تدور على بطل واحد أو أسرة واحدة أو حرب واحدة بل هى، كما سيأتى، تاريخ أمة من أقدم ما وعت أساطيرها حتى الفتح الإسلامي. و يقول “ثيودور نولدكه” – الذي يعد شيخ المستشرقين الالمان – عنها أنها ملحمة لا نظير لها عند أمة أخرى.

والشاهنامه تجمع معظم ما وعى الفرس من أساطيرهم وتاريخهم من أقدم عهودهم حتى الفتح الإسلامي.تبدأ بالتحدث عن أول البشر وبداية الخلق ثم ترتب ترتيبا تاريخيا: تذكر الأسرة فتبدأ بأول ملوكها تبين تاريخه، وما كان في عهده من الحادثات ثم تذكر الملك الثاني وهلم جرا الى اكثر من ٤٩ ملكاً وعشرات الشخصيات الاخرى من الابطال والاعداء. وبهذا تخالف الملاحم الأخرى، كما تقدّم. ويستمر القصص فيها 3874 سنة تحكم فيها أربع دول.

*

اخيراً، هل لدى العرب ملاحم ؟ حسناً في الادب الحديث هناك بضعة اعمال تتحدث عن نفسها انها ملاحم، وحقيقة لم اقرأ منها ورقة ! فلا استطيع الحكم عليها برغم التشائم الكبير التي اكنه لها، واكثر ما اعتقده يصح انه ملحم فهي غربة بني هلال الاكثر شهرة في عالمنا العربي، ولكن هل لدينا الخامة الصالحة لنظم ملاحم عظيمة ! هذا ما أنا متآكد منه ولكن اين الشاعر الصبور والأديب البارع ! فحضارتنا اتخمت بالمؤرخين الذين ينظرون الى كل قصة بمقاييس التجريح والتدقيق عن ترك حبل الخيال على الغارب ورغم فحول الشعراء في تاريخها الا ان الهجاء والمدح والفخر والرثاء اخذت من ألسنهم اكثر من غيرها من نظم الملاحم، لهذا نشاهد أن الفرس رغم ان لسانهم لايعد قطرة في بحر اللغة العربية قد احسنوا نظم قصة ليلى والمجنون على احسن مايكون وكذلك قصة نبي الله يوسف التي وردت في القرآن. وبقينا نحن نتغنى في القصص الشعبية الى ان أندثر جلها.

نايف الفضلي

خارج النص

خبر عاجل: مقتل سفير

على الرغم من أن العُرف والأخلاقيات الدولية والاتفاقية الأممية نصَّت وبوضوح على حرمة المساس بالدبلوماسيين وعُقِد المؤتمر تلو الآخر في ترسيخ تلك المفاهيم مثل المعاهدة الدولية لمنع الجرائم ضد الأشخاص المحميين دولياً ومنهم الدبلوماسيون التي أقرَّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في الرابع عشر من شهر ديسمبر من عام ١٩٧٣م وأخرى أقرَّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد احتجاز الرهائن في السابع عشر من شهر ديسمبر من عام ١٩٧٩م، إضافة الى فحوى الاتفاقيات التنظيمية لعمل الدبلوماسيين مثل اتفاقيتي فيينا لعام ١٩٦١م و ١٩٦٣م , إلا أن الإرهاب ما زال ينقض كافة العهود ويهدد كل الاتفاقيات فلا وجه له إلّا الشر المُطلق،  وطالعتنا الأخبار العاجلة بمقتل السفير الروسي لدى تركيا / أندريه كارلوف مساء الأثنين الماضي واثار موجة من ردات الفعل المتضادة بين شجب للاعتداء واخرين يضربون الطبول فرحاً وبشرى ! ولكن هل فعلاً مقتل السفير يعد كسباً لجهة وخسارة لجهة اخرى ام هي دماء بريئة اخرى تراق وقد تكون شرارة لحرب تذهب بآلوف الضحايا! شهدت الساحة الدبلوماسية أياماً سوداء طالت معظم السفارات والدول، ففي عام ١٩٧٢م استولى خمسة من العرب على السفارة السعودية في باريس واحتجزوا ثلاث عشرة رهينة، وطالبوا بإطلاق سراح بعض القادة الفلسطينيين المعتقلين في الأردن, وهوجمت السفارة السعودية في طهران واستبيحت في ١٩٨٧م كما أستهدفت مكاتب الخطوط السعودية في كل من فرانكفورت والكويت وكراتشي بعمليات تفجير في عام ١٩٨٨م، وكان هنالك الهجوم على السفارة المصرية في العاصمة الباكستانية إسلام أباد عام ١٩٩٥م التي راح ضحيتها (١٧) من موظفي السفارة وزوارها، وتفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام عام ١٩٩٨م الذي أسفر عن إصابة أكثر من (٥٠٠٠) شخص وقتل (٢١١) آخرين  وذلك من ضمن أكثر من (٤٠) اعتداء على سفارات الولايات المتحدة الامريكية حول العالم، وتم تفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد ٢٠٠٣م الذي نتج عنه مقتل (٢٢) شخصاً، واقتحام القنصلية الأمريكية في جدة ٢٠٠٤م الذي راح ضحيتها (٥) أشخاص جميعهم سعوديين كما أحبطت محاولة أخرى لتفجيرها في عام ٢٠١٦م ، وقُتل سفير جمهورية مصر في بغداد ٢٠٠٥م. وسبقه خطف وقتل سفير الولايات المتحدة الأمريكية في عاصمة أفغانستان كابول في ١٩٧٩م، والسفير الأمريكي في بنغازي ليبيا عام ٢٠١١م وقُتل السفير الفلسطيني لدى الجمهوية التشيكية عام ٢٠١٤م اثر انفجار في مقر اقامته في براغ , وفقدت الدبلوماسية الأردنية رجالها في سفاراتها بأنقرة وبوخارست وبيروت ومدريد وأصيب آخرين في روما والهند في الثمانينيات, وأختطف السفير الأردني لدى طرابلس في عام ٢٠١٤م ، كما اغتيل اثنان من الدبلوماسيين الكويتيين أثناء خدمتهم بالهند في مطلع الثمانينيات الميلادية ايضاً، وقُتل دبلوماسي مصري لدى المكسيك عام ١٩٩٨م  وخُطف أربعة من موظفي السفارة المصرية في طرابلس عام ٢٠١٤م، واغتيل دبلوماسي امريكي في عام ٢٠٠٢م في العاصمة الأردنية عمان. وقُتل آخر مع سائقه المحلي أثناء عودته من احتفالات رأس السنة بعام ٢٠٠٨م في العاصمة السودانية الخرطوم. ووجد دبلوماسياً أسبانياً رفيعاً لدى الخرطوم مقتول في شقته في عام ٢٠١٤م , والقائمة للأسف تحمل الكثير من الأسماء الأخرى الذين ارتكبت الإرهاب وأيادي الغدر الفظائع بحق سفراء وممثلي السلام والدبلوماسية حول العالم في مخالفة صارخة لكافة الأعراف والاخلاقيات والاتفاقيات الدولية.

خارج النص

حيوانات سياسية

علاقة الانسان بالحيوان قديمة بعمر الازل وقد اتخذها الكثير منهم بالفخر تشبهاً او اعترافاً بقيم عليا ربطوها بها، وتطورت تلك الرمزيات مع مرور الوقت لتمثل عشائر وقوميات وصولاً الى امم ودول، فكان الاسد على سبيل المثال شعاراً سائداً لدى الممالك الأوروبية حتى يومنا الحاضر، ومن يجهل ريتشاد “قلب الاسد” وشعاره الذي تمثل بثلاثة أسود ذهبية فلا يمكن ان يجهل عقاب صلاح الدين الايوبي ورمزية الطيور الجارحة الاكثر عراقة منذ فجر الحضارات، كرمز للقوة والعلية والحرية والتي هي من اكثر الرموز استخداما لدى العرب اليوم. وحقيقة يطيب لي الحديث عن تلك الرمزيات ومدولاتها وجذورها التاريخية اكثر، ولكن أرجئ ذلك لمناسبة اخرى واقتصرها ها هنا على ما اريد ان اصل اليه من رمزيات الدولة الاكثر قوة في عالم اليوم، الولايات المتحدة الامريكية. فهي تحمل اهتمامات الحضارات الماضية في تبجيل رمزية الحيوان والطير. ففي أغلب ولاياتها الخمسين (حوالي ٣٢ ولاية) أعتمدت الحيوانات وبالأخص الطيور كرمز لها، إلى جانب انها ومنذ آواخر القرن الثامن عشر اعتبرت النسر الأصلع الرمز الرسمي للولايات المتحدة الامريكية، الكيان الفيدرالي لجميع تلك الولايات، وقيل ان الاختيار لهذا الطير لعمره الطويل وقوته العظيمة وفخامة منظره والاعتقاد السائد ذلك الحين ان هذا الطائر لايوجد الا في القارة الامريكية فقط. فهو فخر الدولة الامريكية بلا منازع. وقد اتفهم رمزيات اخرى مثل الدب في شعار ولاية كاليفورنيا والخيل لدى ولاية بنسلفانيا والآيل لدى ولاية ميتشيغان وايداهو، ولكن أن يستخدم أكبر حزبين سياسيين شعار الفيل والحمار ! فهذا يستحق التوقف قليلاً.

بداية يجب التوضيح أن استخدام رمزية الفيل والحمار هي امتداد لثقافة امريكية شعبية تؤمن بالرموز جالبة الحظ، لذا فإن الحمار او الفيل يعنيان بها رمزين جالبين الحظ والتفاؤل اكثر مما هو شعار سياسي خالص مثلهما مثل بقية الحيوانات في شعارات الولايات الامريكية والمؤسسات السياسية. وتلك الرمزيات الفريدة تكن اكثر وضوحاً عند استعراض الساحة الرياضية الامريكية، فلدى جميع اندية دوريات الرياضة رموز جالبة للحظ يستدعيها الجمهور اثناء كل مباراة ليس فقط على أعلامهم ومنشوراتهم بل لدمى يرتديها المشجعون او المنظمون للحيوان او الرمز جالب الحظ تتراقص وتستعرض وتضفي اجواءاً حماسية على المشهد الرياضي، على الرغم من أن بعضها من الصعب تصنيفه لشدة غرابته !

ومن المعلوم أن الانتخابات الامريكية تعد أبرز الاحداث العالمية متابعةً وتناولاً لتفاصيلها بمختلف اللغات وعلى جميع وسائل الاعلام المحلية والدولية، واذ كان ذلك يعني شيئاً فهي أهمية نتائج تلك الانتخابات التي تعيد حسابات مختلف النظم والقوى السياسية حول العالم في تصرفها مع النظام الاكثر نفوذاً في العالم. وفي كل موعد انتخابات فإن التنافس الرئيسي يكون بين حزبين سياسين هما الحزب الجمهوري الذي يتقدم الساحة بشعار الفيل واللون الأحمر، والحزب الديموقراطي ذو شعار الحمار واللون الأزرق. وعلى الرغم من تراجع استخدام الرموز على حساب الالوان وشعارات المرشحين الانتخابيين إلا ان حقيقة تحول تلك الرمزيات الى علامات تجارية تدر مئات الملايين من الدولارات يستوقف البحث فيها أكثر.

ويعود رواج كل من رمزيتي الفيل والحمار الى رسام الكاريكاتير الامريكي توماس ناست الذي قام بترميز الحزب الجمهوري بالفيل وتثبيت رمزية الحمار للحزب الديموقراطي (بالمناسبة الرسام توماس ناست كان الرجل خلف شخصية سانت كلوز بشكلها الحالي و شخصية العم سام رمز الامة الامريكية ويعتبر أب الفن الكاريكاتيري الامريكي).

وهنالك عدة اقوال حول حمار الديموقراطيين، البعض يعود بابتكارها الى الرئيس اندرو جاكسون مؤسس الحزب الديموقراطي الذي قام بإستخدام شعار الحمار أثناء حملته الانتخابية في ثلاثينات القرن التاسع عشر عندما اختار شعار «لنترك الشعب يحكم»، وسخر منافسه الجمهوري كثيرا من هذا الشعار ووصفه بأنه شعبوي ورخيص، فما كان من جاكسون إلا أن اختار حمارا رمادي اللون جميل المظهر وألصق على ظهره شعار حملته الانتخابية وقاده وسط القرى والمدن المجاورة لمسكنه من أجل الدعاية لبرنامجه الإنتخابي «الشعبوي» ضد منافسه الذي كان يظهر على أنه نخبوي وليس قريبا من هموم الناس. وقد فاز بالفعل بالرئاسة الامريكية في دورتين متتاليتين. وقيل ان معارضو أندرو جاكسون  قاموا بتحريف اسمه الى “جاكاس” التي تعني الحمار، ويبدو ان مناصريه راق لهم هذا الاسم فأستخدموه بصفة ايجابية في حملاتهم الدعائية كحيوان قوي الارادة وقريب من الناس، ولكن لم يطل استخدام ذلك الشعار كثيراً. ولم يتحول الحمار إلى رمز سياسي للحزب الديمقراطي بشكل واسع النطاق سوى سنة ١٨٧٠م، عندما عمد رسام الكاريكاتير توماس ناست إلى اختيار حمار كرمز للحزب الديمقراطي يتبارز مع فيل جمهوري مذعور. ومنذ ذلك الحين أصبح الديمقراطيون يفخرون بحمارهم، بل ويدللونه عبر تنظيم مسابقات لرسم أفضل بورتريه للحمار الديمقراطي وإطلاق أفضل الشعارات السياسية التي يمكن أن ترافق صورته. والى مطلع القرن العشرين كان الشعار التقليدي للحزب الديموقراطي في كل من انديانا وكنتاكي واكلاهوما و واهايو هو “الديك” في مقابل الرمز الجمهوري “النسر الامريكي”

وظهر الفيل كشعار للحزب الجمهوري عام ١٨٧٤م عندما قام رسام الكاريكاتور الأميركي الشهير توماس ناست وكان يقصد بها السخرية من زملائه بالحزب بعد خسارتهم في مجلس النواب لصالح الاغلبية من الحزب الديموقراطي. وفي السنوات اللاحقة، واصل ناست تطوير قصة الحمار والفيل، حتى أصبح هذان الرمزان معروفين في الولايات المتحدة برمتها للإشارة إلى المتنافسيْن السياسييْن الأبدييْن.

ختاماً، لم يعد يعني رمزية الفيل بأنه يمثل القوة او الوزن الثقيل او الهدوء او يعني الحمار بالشعبية والصبر والجلَد في تمثيلهما للحزبين السياسين ، بقدر ماهي شعارات جوفاء لاتتجاوز كونها رموزاً جالبة للحظ بمثلها مثل دين بقية الكيانات الامريكية التي أضحت تتبنى مثل تلك الرمزيات. والغلبة في السياسة الامريكية لم تكن يوماً مرتبطة برمز الحزب أكثر مما هي برامج مهولة وشبكة معقدة من المصالح تمتد على طول وعرض القارة الامريكية.