أنا التاريخ

الإبادة في عصرنا من “مرو” إلى “حلب”

شاهدنا حلب تُستباح وتُقتل أهاليها في الشوارع وتُهدم البيوت على سُكانها وتُقصف المستشفيات ويُدفن فيها المريض والطبيب وسط تخاذل عالمي مقيت وأصوات شجب وندب هنا وهناك، ولكي نفهم لماذا يجرؤ الطاغية على ذلك ولا يخشى لومة لائم علينا أن نتمعن في التاريخ الإنساني المليئ بالمجازر التي أرتكبت من قبل الدول على المستويين الداخلي ضد شعوبها والخارجي ضد الشعوب الأخرى. وإن كانوا يقولون أن التاريخ يكتبه المنتصرون صحيحاً الى حد بعيد، ولكن ليس عندما يأتي الأمر على حساب دماء الملايين من البشر، أن الفظاعات التي ارتكبت أثناء محاولات الإبادة لطوائف وشعوب على أساس قومي أو عرقي أو ديني أو سياسي، صنفت كجرائم دولية تلاحق من قبل المنظمات والشرط الدولية. وللأسف تكبدت شعوبنا الشرق الاوسطية النصيب الاكبر من تقتيل وتشريد منذ الغزو المغولي البربري الذي ماوطئ ارضاً عامرة بالسكان والعمران والا وخرج منها خاوية على عروشها، فدخلوا بلدة “مرو” ذات السبع مئة الف نسمة وخروج منها بعد ان قتلوا سبع مئة الف نسمة، واقتحموا بغداد التي لم يقفوا عندها على افناء البشر وحسب بل دمروا أكثر حضارات العالم اشراقاً حتى أصبح ماء نهري الدجلة والفرات اسود اللون من كثر ما اتلفت فيه الكتب والمؤلفات. وليس ذلك ببعيد عن الاندلس الضائعة التي استباح فيها قوم ايزابيلا ملكة قتشاله دماء المسلمين واليهود حتى لم تعد تحمل الاندلس بين جنباتها الا بقايا الحضارة الاسلامية من بضع حصون وقصور. وصولاً الى القرن العشرين وما قام به النازيون، أثناء الحرب العالمية الثانية، ومانتج عنها من مقتل أكثر من ٨٠ مليون شخصاً !! واضف الى ذلك مجازر الأرمن وسيفو وأن لم تعترف بها دولة تركيا وريثة الامبراطورية العثمانية التي اتهمت بإبادة أكثر من مليون نسمة من الاقليات، وكذلك مجازر سميل بحق آشورين العراق والانفال بحق أكرادها ومذبحة سربرنيتشا بحق مسلمين البوسنة من قبل القوات الصربية والتي وصفها الأمين العام للأمم المتحدة على أنها أسوأ جريمة على الأراضي الاوروبية منذ الحرب العالمية الثانية والتي راح ضحيتها قرابة عشرة الاف بوسني، كما كانت هنالك مجاعة هولودومور بأوكرانيا في ثلاثينات القرن الماضي التي قدرته ضحاياها بقرابة مليوني اوكراني تسبب بها الاتحاد السوفيتي. ولا ننسى مذبحة صبرا وشاتيلا وقرابة اربعة الاف فلسطيني عُزل قتلتهم بدم بارد المليشيات اللبنانية الطائفية بحماية اسرائيلية قادها المقبور شارون في الثمانينيات، وسامت افريقيا بنصيبها من المجازر حيث ابيد مايقارب ٨٠٠ الف في مايعرف بالابادة الجماعية في رواندا بالتسعينات خلال مئة يوم فقط! على اثر انتقام من مجازر لحقت بالمعتدين في بورندي في السبعينات الميلادية وكذلك في السودان في أقليم دافور التي رجحت احصائيات الامم المتحدة وفاة مايقارب ٣٠٠ الف نسمة نتيجة نزاعات العنف والاقتتال الداخلي. وخسرت اليابان أكثر من ٢٠٠ الف من سكانها نتيجة القنابل الذرية التي أسقطت على هيروشيما وناجازاكي من قبل القوات الامريكية في الايام الاخيرة من الحرب العالمية الثانية، ولامفاجأة في ذلك اذا عرفنا ان الدولة الامريكية الحديثة قامت على انقاض ابادة الملايين من الهنود الحمر سكان القارة الامريكية الاصليين وتدمير ثقافتهم وتاريخهم وتهميش وجودهم.

وعلى الرغم من ان الكثير من الاخلاقيين اليوم يتبجحون باننا في عصر حقوق الانسان وهذا صحيح الى حد ما، إلا ان الابادات على مسمع ومرئى من العالم اليوم ولا حياة لمن تنادي، فهاهي سوريا تذبح كل يوم في حماة وحلب وأدلب وأريافها وتستباح مدن العراق من الموصل والفلوجة وتعيث اسرائيل فساداً قتلاً وتدميراً للفلسطينيين ولم تستطع دول حاملة لواء حقوق الانسان ومنظماتها الثرثارة وقف اطلاق رصاصة واحدة ضد الأطفال والنساء والمدنيين. وها هم مسلمين الروهنجيا مستضعفين في الارض ترتكب في حقهم ابشع المجارز والتضييق كل يوم في بورما من قبل القوات البوذية المتطرفة بمشهد من العالم اجمعه ولم ينتصر لهم أحد. على الرغم من جهود بذلت هنا وهناك لمحاكمة مجرمي الحرب واقامت المحاكم الدولية والمنظمات المتخصصة ونشر قوات القبعات الزرق التابعة للأمم المتحدة كقوات محايدة تضمن مراقبة السلام الهش، الا كل ذلك لم تمنع يوماً طاغية من الاستبداد بشعبه وعنف مليشيا حزبية ضد تركيبة سكانية اخرى.

الوضع تعيس ولا يمكن اصلاحها طالما بقي الوضع الدولي الحالي على ماهو عليه من وحدات دولية تحصن نفسها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتتترس خلف السيادة.

نايف الفضلي

خارج النص

حيوانات سياسية

علاقة الانسان بالحيوان قديمة بعمر الازل وقد اتخذها الكثير منهم بالفخر تشبهاً او اعترافاً بقيم عليا ربطوها بها، وتطورت تلك الرمزيات مع مرور الوقت لتمثل عشائر وقوميات وصولاً الى امم ودول، فكان الاسد على سبيل المثال شعاراً سائداً لدى الممالك الأوروبية حتى يومنا الحاضر، ومن يجهل ريتشاد “قلب الاسد” وشعاره الذي تمثل بثلاثة أسود ذهبية فلا يمكن ان يجهل عقاب صلاح الدين الايوبي ورمزية الطيور الجارحة الاكثر عراقة منذ فجر الحضارات، كرمز للقوة والعلية والحرية والتي هي من اكثر الرموز استخداما لدى العرب اليوم. وحقيقة يطيب لي الحديث عن تلك الرمزيات ومدولاتها وجذورها التاريخية اكثر، ولكن أرجئ ذلك لمناسبة اخرى واقتصرها ها هنا على ما اريد ان اصل اليه من رمزيات الدولة الاكثر قوة في عالم اليوم، الولايات المتحدة الامريكية. فهي تحمل اهتمامات الحضارات الماضية في تبجيل رمزية الحيوان والطير. ففي أغلب ولاياتها الخمسين (حوالي ٣٢ ولاية) أعتمدت الحيوانات وبالأخص الطيور كرمز لها، إلى جانب انها ومنذ آواخر القرن الثامن عشر اعتبرت النسر الأصلع الرمز الرسمي للولايات المتحدة الامريكية، الكيان الفيدرالي لجميع تلك الولايات، وقيل ان الاختيار لهذا الطير لعمره الطويل وقوته العظيمة وفخامة منظره والاعتقاد السائد ذلك الحين ان هذا الطائر لايوجد الا في القارة الامريكية فقط. فهو فخر الدولة الامريكية بلا منازع. وقد اتفهم رمزيات اخرى مثل الدب في شعار ولاية كاليفورنيا والخيل لدى ولاية بنسلفانيا والآيل لدى ولاية ميتشيغان وايداهو، ولكن أن يستخدم أكبر حزبين سياسيين شعار الفيل والحمار ! فهذا يستحق التوقف قليلاً.

بداية يجب التوضيح أن استخدام رمزية الفيل والحمار هي امتداد لثقافة امريكية شعبية تؤمن بالرموز جالبة الحظ، لذا فإن الحمار او الفيل يعنيان بها رمزين جالبين الحظ والتفاؤل اكثر مما هو شعار سياسي خالص مثلهما مثل بقية الحيوانات في شعارات الولايات الامريكية والمؤسسات السياسية. وتلك الرمزيات الفريدة تكن اكثر وضوحاً عند استعراض الساحة الرياضية الامريكية، فلدى جميع اندية دوريات الرياضة رموز جالبة للحظ يستدعيها الجمهور اثناء كل مباراة ليس فقط على أعلامهم ومنشوراتهم بل لدمى يرتديها المشجعون او المنظمون للحيوان او الرمز جالب الحظ تتراقص وتستعرض وتضفي اجواءاً حماسية على المشهد الرياضي، على الرغم من أن بعضها من الصعب تصنيفه لشدة غرابته !

ومن المعلوم أن الانتخابات الامريكية تعد أبرز الاحداث العالمية متابعةً وتناولاً لتفاصيلها بمختلف اللغات وعلى جميع وسائل الاعلام المحلية والدولية، واذ كان ذلك يعني شيئاً فهي أهمية نتائج تلك الانتخابات التي تعيد حسابات مختلف النظم والقوى السياسية حول العالم في تصرفها مع النظام الاكثر نفوذاً في العالم. وفي كل موعد انتخابات فإن التنافس الرئيسي يكون بين حزبين سياسين هما الحزب الجمهوري الذي يتقدم الساحة بشعار الفيل واللون الأحمر، والحزب الديموقراطي ذو شعار الحمار واللون الأزرق. وعلى الرغم من تراجع استخدام الرموز على حساب الالوان وشعارات المرشحين الانتخابيين إلا ان حقيقة تحول تلك الرمزيات الى علامات تجارية تدر مئات الملايين من الدولارات يستوقف البحث فيها أكثر.

ويعود رواج كل من رمزيتي الفيل والحمار الى رسام الكاريكاتير الامريكي توماس ناست الذي قام بترميز الحزب الجمهوري بالفيل وتثبيت رمزية الحمار للحزب الديموقراطي (بالمناسبة الرسام توماس ناست كان الرجل خلف شخصية سانت كلوز بشكلها الحالي و شخصية العم سام رمز الامة الامريكية ويعتبر أب الفن الكاريكاتيري الامريكي).

وهنالك عدة اقوال حول حمار الديموقراطيين، البعض يعود بابتكارها الى الرئيس اندرو جاكسون مؤسس الحزب الديموقراطي الذي قام بإستخدام شعار الحمار أثناء حملته الانتخابية في ثلاثينات القرن التاسع عشر عندما اختار شعار «لنترك الشعب يحكم»، وسخر منافسه الجمهوري كثيرا من هذا الشعار ووصفه بأنه شعبوي ورخيص، فما كان من جاكسون إلا أن اختار حمارا رمادي اللون جميل المظهر وألصق على ظهره شعار حملته الانتخابية وقاده وسط القرى والمدن المجاورة لمسكنه من أجل الدعاية لبرنامجه الإنتخابي «الشعبوي» ضد منافسه الذي كان يظهر على أنه نخبوي وليس قريبا من هموم الناس. وقد فاز بالفعل بالرئاسة الامريكية في دورتين متتاليتين. وقيل ان معارضو أندرو جاكسون  قاموا بتحريف اسمه الى “جاكاس” التي تعني الحمار، ويبدو ان مناصريه راق لهم هذا الاسم فأستخدموه بصفة ايجابية في حملاتهم الدعائية كحيوان قوي الارادة وقريب من الناس، ولكن لم يطل استخدام ذلك الشعار كثيراً. ولم يتحول الحمار إلى رمز سياسي للحزب الديمقراطي بشكل واسع النطاق سوى سنة ١٨٧٠م، عندما عمد رسام الكاريكاتير توماس ناست إلى اختيار حمار كرمز للحزب الديمقراطي يتبارز مع فيل جمهوري مذعور. ومنذ ذلك الحين أصبح الديمقراطيون يفخرون بحمارهم، بل ويدللونه عبر تنظيم مسابقات لرسم أفضل بورتريه للحمار الديمقراطي وإطلاق أفضل الشعارات السياسية التي يمكن أن ترافق صورته. والى مطلع القرن العشرين كان الشعار التقليدي للحزب الديموقراطي في كل من انديانا وكنتاكي واكلاهوما و واهايو هو “الديك” في مقابل الرمز الجمهوري “النسر الامريكي”

وظهر الفيل كشعار للحزب الجمهوري عام ١٨٧٤م عندما قام رسام الكاريكاتور الأميركي الشهير توماس ناست وكان يقصد بها السخرية من زملائه بالحزب بعد خسارتهم في مجلس النواب لصالح الاغلبية من الحزب الديموقراطي. وفي السنوات اللاحقة، واصل ناست تطوير قصة الحمار والفيل، حتى أصبح هذان الرمزان معروفين في الولايات المتحدة برمتها للإشارة إلى المتنافسيْن السياسييْن الأبدييْن.

ختاماً، لم يعد يعني رمزية الفيل بأنه يمثل القوة او الوزن الثقيل او الهدوء او يعني الحمار بالشعبية والصبر والجلَد في تمثيلهما للحزبين السياسين ، بقدر ماهي شعارات جوفاء لاتتجاوز كونها رموزاً جالبة للحظ بمثلها مثل دين بقية الكيانات الامريكية التي أضحت تتبنى مثل تلك الرمزيات. والغلبة في السياسة الامريكية لم تكن يوماً مرتبطة برمز الحزب أكثر مما هي برامج مهولة وشبكة معقدة من المصالح تمتد على طول وعرض القارة الامريكية.

خارج النص

اللجوء إلى السفارات

عندما يُلاحق فردٌ ما من قبل سلطات بلده نتيجة ممارساته السياسية أو الدينية أو الأخلاقية، وتُهدد حياته بالموت أو السجن الغير نظامي دون توفر قوانين واضحة يلجأ إليها لإنصافه أو غياب ضمانة تطبيق تلك القوانين، فإن الطريق الأول لنجاته هو الهروب إلى خارج البلاد، ولكن ومع وجود رقابة حديثة وصارمة ترصد تحركات سفر المواطنين وخصوصاً ممن أثاروا غضب حكوماتهم، فإن هذه المهمة تصبح شبه مستحيلة. وإن لم يتمكن من ذلك فالطريق الوحيد المتبقي له هو الذهاب إلى سفارة إحدى الدول التي ستحميه.

 وهناك قضيتان جاريتان لا نزال نعيش أخبارهما حتى يومنا هذا، الأولى منهما هي لجوء الاسترالي “جوليان أسانج” إلى سفارة الإكوادور في لندن منذ أكثر من أربع سنوات،  والثانية هي سفر “إدوارد سنودن” إلى هونج كونغ التي لا تربطها اتفاقيات لتبادل المطلوبين مع الولايات المتحدة الأمريكية وفضحه للمخابرات الأمريكية في تجسسها على الملايين حول العالم ومن ثم تقدم بطلب اللجوء إلى قرابة 27 دولة، منهم روسيا التي وافقت على استضافته فسافر إليها وحظيَ باللجوء السياسي، ومازالت قضيته تُثار في الإعلام الأمريكي من حينٍ لآخر.

اللجوء للسفارات هي فكرة قديمة بقدم الدول والإمبراطوريات، عرفها المصريون القدماء والإغريق وأوروبا الحديثة. فـ”ديكارت” لجأ إلى هولندا و”فولتير” و”هوبز” إلى فرنسا و”كارل ماركس” إلى بريطانيا و”دلاي لاما” إلى الهند، في ظروف متشابهه وهي الهرب من ملاحقة سلطات بلادهم  لهم، إلى دول تمنحهم الحصانةً وحرية التعبير.

وهنا لا أتحدث عن اللاجئين النازحين نتيجة ظروف قهرية على شكل جماعات، والتي نظمتها اتفاقيات وبروتوكولات عديدة كيفية التعامل مع التدفق الهائل من السكان إلى البلاد المستضيفة، ولكن حق اللجوء المقصود هنا هو ما يختص باهتمامات الأفراد فرادى، والذي يدرس كل حالة على حدا، وهو امتداد لثقافة عربية ضاربة في القدم وهي “الاستجارة” وتعني بتقديم الحماية للمستجير إذا وافق صاحب البيت، وتاريخ العرب في حقب ماقبل الإسلام مليءٌ بشواهد ذلك، فكانت القبائل تذهب إلى الحرب بأبنائها وأموالها للدفاع عن حق الاستجارة لفرد خائف من بطش ملك أو قبيلة أٌخرى.

وقد عرّف العرب الإستجارة على أنها “إعطاء الأمن لملهوف فرَّ إلى دار الأمان، نتيجة اضطهاد وظلم أو وضع سيئ يمكن أن يتعرض له”، وقد طلبت قبيلة قريش من أبي طالب عمّ النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- تسليمهم إياه فرفض الشيخ الجليل قائلاً:

pastedGraphic.png

كذلك حاز المهاجرون الأوائل في الحبشة على حماية النجاشي فرفض تسليمهم لمبعوثي قريش.

وفي اجتماع مجلس أورليان بحضور أول ملوك الفرنكيين “كلوفيس الأول” عام 511م منح حق اللجوء والحصانة لأي فرد يدخل إلى حمى الكنيسة أو بيت الاسقف حتى القتلة والسارقين، واستمرت الأنظمة الأوروبية في تطوير ذلك التبجيل للكنائس وتقنين عُرف الجوء إليها حتى عهدٍ قريب.

وأغلب حالات اللجوء السياسي قديماً وحديثاً تتطلّب وجود الفرد في دولة الحماية بالأصل، فيحصل حينها على اللجوء السياسى. ولكن كما أسلفنا سابقا لا تتوفر للجميع فرصة مغادرة بلادهم إلى بلاد أخرى طلبا للجوء، إمّا خشيةَ القبض عليهم أو مداهمة الخطر لهم بشكل مباشر وعاجل مما لم يتح لهم وقتاً كافياً للسفر أو عدم توفر إمكانية ذلك لسبب آخر، وحينها يطرق الأفراد أبواب السفارات الدبلوماسية بحثاً عن لجوء سياسي.

فالسفارة والممثلية الدبلوماسية وبحسب الأعراف والمواثيق الدولية هي تراب أجنبي يتبَع الدولة الموفدة، وبالتالي فبمجرد أن يخطو الفرد -أياً كان- عتبة الممثلية الأجنبية فهو قانونياً في دولة مختلفة لاتملك الدولة المضيفة صلاحية فرض قوانينها الداخلية عليها، وتلك الممارسات مازالت محلَّ نقاشٍ حامٍ بين المتهمين بالقانون الدولي والقانون الدبلوماسي على وجه الخصوص.

ولنا في قضية “أسانج” صاحب موقع “ويكيليكس” الشهير خير مثال، حينما لجأ إلى سفارة الإكوادور في لندن بعد أن كان محتجزاً في منزله بقرار من السلطات البريطانية إثرَ بلاغٍ تقدمت به السلطات السويدية تتهم فيه أسانج بالإغتصاب، والتي قيل أنها مجرد مكيدة لتسليمه إلى الولايات المتحدة الأمريكية الغاضبة من تسريب منظمته لملايين الوثائق الحساسة بها. ولكن “أسانج” قام بكسر ذلك الحكم القانوني بالهروب إلى سفارة الإكوادور وتقدم بطلب اللجوء السياسي لديها وهو ما منحته إياه فيما بعد، ولكن بريطانيا رفضت أيَّ تسوية وأصرت على القبض عليه، وعلى الرغم من تهديد الحكومة البريطانية بأنها سوف تستخدم القرار البرلماني “Diplomatic and Consular Premises Act 1987” الذي يتيح لها نزع الصفة الدبلوماسية عن مقار بعثات الدول الأخرى -والذي أُقرَّ إثرَ مقتل شرطيّة بريطانية بإطلاق رصاص من داخل السفارة الليبية عام 1848م- والتلويح بأنها سوف تدخل بذلك إلى سفارة الإكوادور لاعتقال “أسانج”. ولكنها سرعان ما تراجعت عن ذلك بعد تصريحات شديدة اللهجة من قبل وزير خارجية الإكوادور ورئيسها بأن هذا اعتداء صريح على القانون الدولي وبروتوكلات معاهدة فيينا. واستمر الحال على ماهو عليه مع تعهد مستمر من قبل السلطات البريطانية باعتقال “أسانج” بمجرد خروجه من مقرِّ البعثة، وقامت بتجهيز قوات شرطة قرب المقر على مدار الساعة، إلا أنه وبعد عدة سنوات من ذلك وتكاليف قاربت العشرة ملايين باوند، سحبت بريطانيا تلك القوات المكلّفة ولجأت إلى محاولة أخرى للضغط على البعثة الإكوادورية منها التهديد بقطع خدمات الإنترنت عنها إذ لم يتوقف “أسانج” عن الدخول إلى الإنترنت باستخدام شبكتها، وهو ما وافقت عليه البعثة الإكوادرية بعد شبهات بتدخل “أسانج” في الإنتخابات الأمريكية الأخيرة.

وعلق سفير بريطاني سابق على قضية “أسانج” بسؤال وهو: هل الإكوادور وأسانج على استعداد للعيش المشترك لخمسة عشر عام؟! في إشارة ساخرة لقضية الكاردينال József Mindszenty الذي قضى خمسة عشر عاماً لاجئاً في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في المجر بعد الاجتياح السوفيتي، حتى صدرت موافقة لمغادرته الأراضي المجرية الى فيينا.

وعلى الرغم من أن جميع الدول لاتشجع على اللجوء في مبانيها الدبلوماسية في الخارج كالولايات المتحدة مثلا والتي لا تمنح اللجوء إلا للأجانب الموجودين فعلياً في الولايات المتحدة بحسب القانون الأمريكي، إلا أن هذا لا يمنع وجود عشرات الحالات من اللاجئين السياسيين في مختلف البعثات الدبلوماسية حول العالم، وتلك البعثات لا تستقبل طلبات اللجوء إلى حرمها بأذرع مفتوحة، بل في حال وضعت في مثل هذه المواقف الحرجة فإنها تحاول بذل قصارى جهدها للتوصل إلى حل مُرِضٍ والتخلص من التزام قد يمتد لأسابيع أو أشهر قبل العودة للقيام بأعمالها التقليدية وما يصاحب ذلك من توتر سياسي مع الدولة المُضيفة، وهو وضع ليس مريح للاجئ السياسي أيضاً، فلربما يتوفر لدى البعثات مطابخ وصالات ضيافة ولربما يتوسطها مجمع سكني لموظفي البعثة وبالتالي تكون هنالك خدمات متكاملة، إلا أن أغلب البعثات الدبلوماسية تفتقر إلى ذلك فهي مجرد مكاتب مصفوفة جنباً إلى جنب، ولا يصلها ضوء النهار كما يجب، وهذا ما يجعل إقامة اللاجئ مزعجة للطرفين. وفي أغلب حالات اللجوء يتفاوض بلد الممثلية الدبلوماسية مع الدولة المُضيفة لضمانِ سلامة اللاجئ، والتي تنتهي غالبا بالموافقة على إبعاده من أراضيها

 ولك أن تتخيل أن هنالك من قضى السنين قابعاً في سجن مخمليٍّ  محاصراً ومضيقاً عليه في كل شيء دون أن يخطو خارج مقر البعثة بمتراً واحداً خوفاً من مصير مجهول ينتظره خلف أبواب هذه البعثة.

وتستطيع الاستزادة أكثر حول قائمة اللاجئين الى السفارات من خلال هذا الرابط

file-page1

خارج النص

جنسيات للبيع

حينما تكن ثرياً تستطيع بيسر أن تشتري سيارة فاخرة، أو طائرة خاصة، أو حتى يخت، ولكن من كان يعتقد أن الجنسية الوطنية سلعة ايضاً ؟

فطالما ساد الاعتقاد بأن اكتساب جنسية دولة ما يكون بأحدى أثنين اما بالميلاد أو الزواج ، ولكن ماذا عن الاكتساب اللاحق للجنسية ؟  توفر معظم دول العالم طرق أخرى لأكتساب جنسيتها بدأً من الاقتران برابطة الزواج لأحد مواطنيها الى شراء الجنسية بطريقة غير مباشرة. وحديثي هنا عن الدول التي تتيح لك “شراء جواز سفر أجنبي” سواء أن اشتمل ذلك على حق التمتع بالمواطنة الكاملة او حقوق جزئية. وبالطبع فأن أحد اهم الاسباب خلف اتجاه الناس لشراء جوازات أجنبية حقيقية هي مايتيحه ذلك من حرية تنقل ودخول دون تأشيرة لعشرات من الدول وحتى العمل فيها لايمكنهم بذلك جوازات بلدناهم الأصلية.

فكثير من دول العالم تتيح للأفراد فرصة شراء جنسيتها وفق برامج الجنسية الاقتصادي او الجنسية مقابل الاستثمار، تلك البرامج تسمح للناس وغالباً من الدول النامية التمتع بميزات السفر والاقامة والعمل لدى الكثير من دول العالم المتقدمة مقابل اسهام فعال في استثمار رؤوس اموالهم في تلك الاقتصاديات.

فجواز جمهورية بلغاريا الذي يتربع على المرتبة الثامنة والثلاثين في قائمة أفضل جوزات السفر لعام ٢٠١٦م يتيح لحامله حرية السفر دون تأشيرة الى ١٥٣ بلداً حول العالم تشمل جميع دول الاتحاد الأوربي بجانب حق الإقامة والعمل بها، ولكن ليس الولايات المتحدة الأمريكية، بعكس الجواز المالطي الذي يسمح بذلك بالاضافة ١٦٧ دولة اخرى. ويستطيع الأجنبي الحصول على الجنسية البلغارية بإستثمار مبلغ وقدره ٥١٢،٠٠٠ يورو في المستندات الحكومية يستحصل فيها على حق الإقامة، بعد ذلك بسنة يستطيع استثمار مبلغ مماثل في مستندات حكومية اخرى لمنحه الجنسية، والخيار الآخر هو استثمار ١،٢ مليون يورو لمدة خمس سنوات لدى الحكومة بدون أرباح مستحصلة ويستطيع بعد ذلك استعادتها.

ومالطا بالمناسبة تتيح الحصول على جنسيتها مقابل إستثمار مليون يورو تقريباً خلال سنة واحدة مسبقة للتأهل لذلك. بينما جمهورية قبرص الواقعة بجزيرة في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط فإنها تسمح بالحصول الفوري على الجنسية مقابل استثمار ١،٨ مليون يورو!

والكثير يستهدف الجزر الكاريبية حيث مازال تستقطع حصة الأسد من نصيب هذه السوق الرائجة، فكل من دولة جزيرة انتيجوا وبابودا ودولة سانت كيتس ونيفيس التي تمتلك أقدم برنامج بيع الجنسية مقابل الاستمثار منذ عام ١٩٨٤م ودولة جريندا تتح الحصول على الجنسية الفوري مقابل ١٨٨ ألف يورو! ولكنهم يخضعون لتهديد حقيقي من أحدث المنافسين في السوق جارتهم دولة الدومينيكان التي تعرض ذلك بسعر ٧٥،٠٠٠ يورو فقط.

 وقد تتفاجئ بأن البلد الأكثر اقبالاً لعيش “الحلم” الولايات المتحدة الأمريكية لديها برنامج مماثل! فهي تتيح للأجانب الحصول على حق الاقامة الدائم المخول للجنسية تحت بند يدعى “EB 5 Visa” مقابل استثمار ٥٠٠ ألف دولار أمريكي ، ولكن بعد سبع سنوات وإقامة متواصلة لمدة ست أشهر للتأهل لذلك.

بجانب أن البلد الآخر الأكثر شعبية وهي المملكة المتحدة تتيح مدة أقل بسنة واسثتمار مبلغ مقارب يبلغ ٢ مليون يورو. وإذا ما أراد الفرد اختصار المدة الى خمس سنوات مع الحصول على جواز دولة من العالم الأول فالجنسية الاسترالية التي تبلغ قيمتها بالاستثمار بمبلغ يقارب ٣ مليون يورو خياراً معقولاِ لدى البعض!

وإذا ماذهبنا الى الجزء الشرقي من العالم فجمهورية سنغافورة تتيح مقابل استثمار ١،٣٩ مليون يورو وانتظار لعامين الحصول على جنسيتها وهي احدى أقوى جوازات السفر حول العالم ومن القائمة الأولى التي تسبق حتى الجواز الأمريكي. وهنالك ايضاً خيارات اخرى مثل  فرنسا والبرتغال وإيرلندا واليونان والمجر وأسبانيا وسويسرا ونيوزلندا. والمزيد ينضمون للقائمة كل سنة.

ولكن، مالذي يجعل المهتم الحقيقي يقرر اختيار شراء جنسية دون أخرى ؟ هنالك عدة ميزات تختلف بإختلاف تلك الدول، فالبعض يحرص على عدد الدول التي يستطيع ان يدخل بها دون تأشيرة ، بالتالي فإن جنسيات كل من فرنسا وسويسرا وأسبانيا والمملكة المتحدة تشكل الخيار الأول له وهذا الاخير يتيح له حرية الدخول الى ١٧٥ بلداً بدون تأشيرة.

وإذا ماكان المعيار هو الأرخص، فلا شك بأن الدول الكاريبية تترأس القائمة، كما هي ايضاً لمن لايمتلكون وقتاً لأنتظار الحصول على الجنسية بجانب مالطا، حيث تشترط كثير من الدول الاخرى فترات انتظار طويلة وفترات اقامة بالأشهر. والبعض يستهدف دخول دول معينة مثل الولايات المتحدة الامريكية، فالأنسب له ان يتقدم للحصول على جنسيات الدول التي تربطها اتفاقيات الإعفاء مثل استراليا واليونان والمجر ومالطا والبرتغال من ضمن ٣٨ دولة. بالطبع ففي كل تلك الحالات، فالأموال التي يدفعها الفرد تعد استثماراً له من المفترض ان تدر عليه دخلاً بشكل أو بآخر، بل قد تشكل للعديد من أصحاب جوازات الدول الصناعية الأولى عامل جذب قوي للتنازل عن جنسياتهم الاصلية والاكتفاء بالجنسية الجديدة، فمؤخراً دشنت روسيا نظاماً مشابهاً مقابل الاستثمار في تأسيس شركات ودفع ضرائب قليلة مع توظيف حد ادنى من المواطنين الروس للحصول على جنسيتها، حينها بدأ صاحب الشركة الامريكي الذي يبلغ دخله السنوي ٣٠٠ الف دولار والذي تستقطع منها الحكومة ضرائب تبلغ ٦٠ الف دولار يفكر بجدية بأن يذهب بشركته الى روسيا ويحصل على  نفس الدخل مع ضرائب اقل من ٣٠ الف دولار.

من جانب اخر فهذا لا يعني ان ليس هنالك عدة دول اخرى تمنح جنسياتها لمن يدفع المبلغ المناسب، ولكن بشكل سري ومخالف للقوانينها الدستورية، وخاصة الدول الافريقية التي تعد سوقاً منتعشة لذلك.

وإذا مانظرنا الى أن البرنامج الإقتصادي لبيع الجنسية في جزيرة سانت كيتس ونيفيس تشكل ٢٥٪ من الناتج المحلي الاجمالي في عام ٢٠١٣م نتفهم الدافع وراء تبني الحكومات تلك البرامج.  ففي عام ٢٠١٤م أنفق الأفراد أكثر من ٢ مليار دولار في اقتناء الجنسيات حول العالم وذلك بحسب شركة هينلي وشركائه للاستشارات والمتخصصة في سوق الجنسية والإقامة.

ختاماً، لاتنخدع من دعايات بيع الجنسيات عبر المواقع الالكترونية والتواصل الاجتماعي، فحصولك على جواز سفر حقيقي وشرعي يتطلب اجراءات حكومية واضحة لايمكن القفز عليها او عبر توفير التكاليف لشراء جواز بثمن بخس ويتضح لاحقاً ان لاقيمة له بل قد يدينك بجريمة خطيرة كالتزوير!.

 list-page-001.jpg

 

أنقر هنا لتحميل ملف PDF لقائمة أفضل جوازات السفر في حرية التنقل حول العالم

نايف الفضلي
خارج النص

الهالوين وأعياد أخرى

تحتفل الولايات المتحدة الامريكية باليوم الأخير من شهر أكتوبر من كل عام ميلادي بعيد الهالوين “Halloween” وهو أحد اكثر الأعياد جماهيرية ليس في أمريكا فحسب، بل أصبح “أيقونة” بحد ذاته حول العالم، وبغض النظر عن حقيقة أصوله الديني الذي اضحى ضائعا بين ممارسيه على فانه عيد اجتماعي وتجاري بإمتياز،  الذي من المتوقع أن يجني خلال عام 2017م مبيعات تقدر بحوالي 9.8 مليار دولار أمريكي في السوق الأمريكي المحلي!

image-2.jpg

يقوم المحتفلون بالهالوين بالتنافس في إرتداء أكثر الأزياء إبداعاً أو رعباً أو إنحلالا ! ويجتمعون في احتفالات راقصة واستعراضات ترفيهية إلى ساعات متاخرة من الليل، بينما ينطلق الأطفال برفقة أفراد عائلاتهم ليجيبو الطرقات بحثا عن الحلوى طرقا على أبواب الجيران والمحال التجارية. ويقوم الكثير من سكان الولايات المتحدة بتزيين منازلهم بما يتناسب مع أجواء الرعب من دمى الهياكل العظمية والخفافيش وخيوط العنبكوت ونحت اليقطين على اشكال مرعبة وتوزيعها في كل مكان.

واثناء متابعتي لهذه العيد الغريب تسائلت؛ هل يحتفل الآخرين حول العالم بقيم الرعب والدموية بمثل هؤلاء!؟

وجدت ان هنالك أعيادا أشد غرابة وأكثر رعباً وتنطوي على قواسم مشتركة كثيرة تبجل الأرواح ! فnintchdbpict000279259990.jpgسكان جزر هايتي التي تقع جغرافياً بقرب دولة كوبا في البحر الكاريبي يقيمون أحتفالاً سنوياً مرعباً يسمى  Gede ويقوم على عبادة مخلوقات روحية تُسمى “لوا” يعددها البعض إلى ستة من الأرواح وهي تجسد القوة والخصوبة وتتمايز كل روح بقدرات مختلفة عن الاخرى.

وعندما تنتقل بالبوصلة شمالاً بعض الشيئ الى مهد حضارة الازتك والمايا بالمكسيك وتقرر زيارتها في الثاني من شهر نوفمبر فإن عليك أن تخفف من وقع الجزع حينما تشاهد هياكل عظمية تسير في الشوارع وتأكل في المطاعم وتقود السيارات ! فهو يوم الموتى القومي لدى الولايات المكسيكية المتحدة، ولكنه على العكس من كثير من أعياد الموتى المليئة بالحزن والجزع، فهذا الحفل يحتفل بأرواح الموتى في جو من البهجة ! ترجع جذور هذا الاحتفال إلى قبل قرابة 3 آلاف عام عند حضارات أمريكا الوسطى والجنوبية، وارتبطت تلك الطقوس بالموت والبعث. ومع وصول الغزاه الإسبان في القرن الخامس عشر، ومرور السنين تطعيم ذلك الاحتفال المقدس بعض التقاليد المسيحية المتعلقة بالاحتفاليات الكاثولوكية لعيد القديسسين بحثاً عن التوافق مع الثقاقة المكسيكية الشعبية.ويعتقد المحتفلون ان أرواح أطفالهم الموتى ترجع إلى الأرض في اليوم الأول من شهر نوفمبر و في اليوم الثاني تهبط أرواح البالغين إلى الأرض. ومع اقتراب يوم الاحتفال يبدأ الناس بتنظيف قبور العائلة وأصدقائهم وتزينيها بمختلف أنواع الزينة والبهرجة، وفي يوم الاحتفال تذهب جموع المحتفلين إلى المقابر لزيارة أضرحة موتاهم وللاحتفال والغناء وتشريف الأرواح الزائرة بتقديم القرابين والتي هي عبارة عن الأشربة والأطعمة المفضلة للمتوفيين. وهكذا يتم تذكر الموتى في جو من المرح تكرم فيه أسرة المتوفي ذكراه في جو من الاسترخاء حيث الاستماع إلى الموسيقى وتناول الطعام وتبادل القصص والحكايات والأشعار حول موتاهم. ولربما كان هذا التأثير المكسيكي وراء احتفال شبيه له في جزر الفلبين، حيث يقوم السكان في الأول من شهر نوفمبر بزيارة أضرحة موتاهم وقضاء ليلة أو ليلتين فيها بين لعب الورق والأكل والشرب والغناء والرقص، بالاضافة الى الصلاة من أجل أرواح موتاهم. ونشاهد اليوم احتفال يوم الموتى في الولايات المتحدة الأمريكية بفضل الجاليات المكسيكية الكبيرة ، وايضاً ممارسات شبيهة في إستراليا ونيوزلندا وفي امريكا الوسطى في بيزيل وجواتميلا وفي بوليفيا والبرازيل والاكوادور في امريكا الجنوبية.

RTX1UB65.jpg

walpurgis-nightوأوروبا تلك القارة العجوز المليئة بالحكايات والموروثات الشعبية لاتخلو من ليالي فريدة، فهنالك ليلة الساحرات “Walpurgis Night” التي يتصادف الاحتفال بها مع بدأ فصل الربيع بعد شتاء أوروبا القارس، وتشترك في إحياءه العديد من الشعوب الاوروبية في الدول الاسكندنافية وألمانيا والتشيك وسلوفانيا وإستونيا ولاتفيا وينشط فيه الشباب وطلبة الجامعات أكثر من غيرهم .وتشتهر طقوسه بإشعال حرائق ضخمة في الغابات المحيطة بالقرى والتجمعات السكانية ويسود الإعتقاد في ذلك الحين بأن مساء الأول من شهر مايو هي ليلة الاجتماع السنوي للسحرة مع الشياطين وبالتالي فإن هذه الحرائق تبعد وتخيف الساحرات للهروب من تلك المناطق وخصوصاً من على مرتفعات هارز في الشمال الألماني. وتصاحب الاحتفالات معتقدات مختلفة من شعب الى اخر، فالتشيكيون مثلاً يحرصون في نهاية الليلة بالبحث عن أشجار الكرز لتبادل القبلات تحتها تفاؤلاً بان ذلك سوف يدعم الحب لسنة كاملة!

وأذا ما أنتقلنا الى أقصى الشرق الى أرض بلاد الشمس المشرقة فسوف نشاهد إحدى أهم الاحتفالات القومية لدى الشعب الياباني وهو “Bon Festival ” خلال منتصف يوليو أو اغسطس، ومهرجان أوبون هو احتفال شعبي يعم جميع انحاء اليابان يعود الى أكثر من خمس مئة عاماً مضت،. تقام  فيه مناسك دينية لتمجيد ارواح اموات الاسلاف. حيث تُرقص رقصات الأوبون الفلكلورية (بون أودوري) الخاصة لإراحة ارواح الاسلاف الموتى، ويقومون بتزيين القبور والغناء والرقص وتوزيع الطعام. حيث يؤمن اليابانيون بان ارواح الموتى تزور أقربائها الأحياء. مؤخراً أصبح هذا الاحتفال يشاهد في دول بعيدة عن الجزيرة اليابانية، فالجاليات اليابانية في البرازيل والولايات المتحدة وفي الصين وكوريا وماليزيا ايضاً تحرص على القيام به.ويحرص كل بيت ياباني على إشعال النار لمساعدة أرواح موتاهم في التعرف على طريق منزلهم، وتشعل بالعادة داخل المنزل إلا اذا كانت المتوفى قد غادرهم منذ عام فيشعلونها خارج المنزل. ويقيمون بإعداد مائدة عامرة بأصناف الطعام من الفاكهة والأرز والحلوى وكأن تلك الموتى مازالوا أحياء يرزقون ! وبالطبع تقوم العائلات بزيارة أضرحة موتاهم لتنظيفها وتجميلها، وفي نهاية مساء اليوم الثالث يقوم الأهالي بأشعال قناديل خشبية وتطويفها على أسطح الانهر والبحيرات بغية الايذان بعودة الارواح الى المكان التي جاءت منه.حقيقةً، وعلى الرغم من التحفظ على الفكر الوثني الشعبي هنا، الا انه من الصعب المجادلة بجمال هذا العيد الذي يجلب أفراد العائلة للجلوس على مائدة واحدة والتزاور والمشاركة في طقوس عائلية محببة من الجد الى أصغر الاحفاد.

121668290.jpg

من المعروف أن أفريقيا مليئة بالتقاليد الغريبة الضاربة في القدم، وهي ملجأ من الأسرار الشعبية بقدر شعوبها وأعراقها المختلقة، ولكن قليل ماتشبه احتفال  “Famadihana” في جزيرة مدغشقر الإفريقية، وهو مهرجان كل سبعة سنين يقوم به الأهالي بإستخراج جثامين موتاهم من غرف الدفن الأرضية وإعادة لفها من جديد بقطع من القماش والحرير ثم اخراجها في احتفاء راقص مع تلك الجثث ورفعها عالياً والدوران بها حول الأضرحة، ويتم فيها التضحية بالأنعام وتوزيع لحومها على الضيوف والأقارب، ويعتقد السكان المحليين بأن الإنسان لم يخلق من طين بل من بقايا اجساد أجدادهم، ويقومون بهذه الطقوس لأعتقادهم أنه وطالما لم يتحلل الجسد بالكامل فهم لم يغادرو هذه الأرض ومازالوا يستطيعون التواصل مع الأحياء، لذا توجب اظهار المودة والحب لهم، بالطبع فأن مباشرة هذه الاحتفال مكلف لكثير من المدغشقاريين، لذا فإن القيام به يجلب العديد من الانتباه والمشاركة من قبل الكثير. ومن الملاحظات أن هذه الاحتفالية ليست بقدم بقية الطقوس الوثنية حول العالم، فهي لم تعرف قبل القرن السابع عشر الميلادي. وإذا ماعدنا للتقاليد الإفريقية نفسها فهي تتقاسم في كثير منها بعض الثقافات في تقديس أرواح الموتى وإعداد الاطعمة والفواكه وتركها عند أضرحة الموتى طلباً لحمايتهم ومباركتهم وقبل الخروج في مواسم الصيد.

https://static01.nyt.com/video/players/offsite/index.html?videoId=1248068971617

وفي الصين يعد مهرجان “Qingming” عطلة رسمية في البلاد، حيث يحتفي الصينيون بأسلافهم في منتصف شهر ابريل بزيارة القبور وتنظيفها وتزيينها وتوزيع الأطعمة والمشروبات بالاضافة الى اليوم التاسع من الشهر التاسع في التقويم الصيني التي يحتم عليهم زيارة أضرحة اقربائهم، وهي بجانب المتعقدات الصينية التي مازالت حية مثل الشهر السابع من التقويم الصيني الذي يسمى ” شهر الشبح” الذي يؤمنون فيه بأن الاشباح والارواح تخرج من الأرض السفلية لتجول بحرية في العالم الأرضي فيُؤْمِن الصينيين بان في منتصف هذا الشهر تفتح أبواب الجحيم وتتجول الاشباح في الارض، وعليه يقوم السكان بالصلاة وتقديم الطعام والماء امام صور أفراد عائلاتهم الراحلين وتجهيز الطاولات في منازلهم تحسباً لزيارة الأشباح ي وإيقاد الفوانيس، وفي نهاية الليلة يقومون بإنارة قطع من الأخشاب وتعويمها على أسطح المياه الجارية داعياً ان تكون كافية لإرشاد الاشباح للعودة الى الجحيم. وتحتفل بلدان اخرى مجاورة للصين مثل تايوان وماليزيا بطقوس مشابهة له.

100_3384.jpg

وفي كل شهر سبتمبر يحتفي الكمبوديين طوال اسبوعين بعيد “The P’chum Ben”، حيث يقومون قبل فجر كل يوم بتجهيز الطعام والهدايا للرهبان البوذيين ويقومون فيه ايضاً بتزيين الثيران ثم التسابق على ظهورها، وفي اليوم الأخير يزورون المعابد يحملون الحلويات المحلية لتقديمها للرهبان مرة اخرى إيذانا بانتهاء احتفال الموتى.

httpwww.sgtravel.netpchum-ben-festival-cambodia.jpg

ويحتفل الكوريون لمدة ثلاث ايام منتصف الشهر الثامن من السنة القمرية لتكريم موتاهم من خلال تجهيز الهدايا والطعام والشراب وزيارة المعابد في عيد “Chuseok”. اما في نيبال فهنالك عيد مثير يسمى “Gai Jatra “أو عيد البقر!، وهي احتفالية لمدة ثمان ايام في شهري اغسطس وسبتمبر في نيبال. ويقوم كل من فقد احد أفراد أسرته العام الماضي بسوق بقرة الى منتصف البلدة اعتقاداً منهم بأن البقرة تقود الموتى الى عالم مابعد الحياة، ومن لم يجد بقرة يستطيع استخدام طفل يرتدي  زي ما يشبهها.Gaijatra.jpg

وتعتبر قبيلة ماه ميري الماليزية من اكثر المحتفلين  بالموت في عيد “Ari Muyan” حيث يقومون بارتداء أزياء وأقنعة مرعبة والرقص على دقات الطبول احتفاءاً بذكرى الموتى.

Mah+Meri+Villagers+Perform+Ari+Muyang+Ceremony+uTGa_PV3KCFx.jpg

ويعتقد السكان المحليون في جزيرة بالي الاندونيسية ان الأرواح تزور أقربائها في هذه ليلة عيد “Galungan “وأنها تتوقع الترحيب من قبل أهاليهم الاحياء وإلا سوف تطاردهم وتلاحقهم باللعنات وهي توافق مع يوم انتصار فوز Dharma على Dharma في ثنائية الخير والشر.

بعد هذه القراءات عن الأعياد حول العالم، بدأت أتساءل عن حقيقة يوم القرقيعان في بلادنا ؟

روى أبو داود عن أنسٍ قال: قَدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال:”ما هذان اليومان؟” قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما؛ يوم الأضحى، ويوم الفطر.” (صحيح أبي داود للألباني حديث 1004). فالحمد الله على كثير نعمه التي أصبغها علينا، والذي أخرجنا من الظلمات إلى النور، ومن تبجيل من لاينفع ولا يضر الى معرفة حق الله عزوجل.

نايف الفضلي
خارج النص

هل تدعم شركة ستاربكس أسرائيل ؟

أصبح من المُسَلم به لدينا أن ستاربكس للقهوة هي شركة أمريكية داعمة للكيان الصهيوني، هذا إذ لم تكن صهيونية بنفسها! فمنذ تفجرت الاحتجاجات الشعبية إثر الاعتداء الاسرائيلي الغاشم على قطاع غزة في عام ٢٠٠٤م ، اشتعلت حملة من المقاطعات الاقتصادية طالت العديد من الشركات الأمريكية التي أدرجها النشطاء كشركات صهيونية، وبطبيعة الحال من كان يجرؤ في تلك الفترة على التساؤل بدقة تلك الاتهامات أو التشكيك بها!! بالطبع فإنه سوف يُرمى جزافا بالتخوين والمزايدة على مبادئه الاسلامية والعروبية. وتلك تهمة لا يريد أيً منا أن يلطخ سمعته بها، فهي صعبة الإزالة لو أقسم ببراءته منها لألف ليلة متعلقاً بأستار الكعبة!  والآن وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على تلك الحملات الاقتصادية الشعبوية التي دُعمت بالعديد من الفتاوى الدسمة أصبحنا نرى منتجات تلك الشركات في تزايد وتوسع في المنطقة وفي خضم المزيد من الاستثمارات -بعكس المتوقع- ومازالت تجني أرباحاً مهولة بلغت قيمتها السوقية أكثر من ٨٥ مليار دولار أمريكي! فما الذي حدث ؟

متابعة قراءة “هل تدعم شركة ستاربكس أسرائيل ؟”