خارج النص

الملاحم الأدبية – مُختصر

بادئ ذي بدأ، سوف اتحدث معكم قليلاً عن الملاحم الادبية التي أنا واقع في ظل سحرها منذ أشهر ولم أستطع سبيلاً  للفكاك منها الا بأن اسطر بعض تلك القراءات هنا عسى ولعلَ ان يمنح ذلك بالي راحة وتحظى كلماتي التالية بعض البقاء. ومن هذا احذركم اذا كانت لديكم النية الصادقة او الاقبال القريب على قراءة اي من تلك الاعمال التي سوف اعرج عليها هنا بأن لا تكمل القراءة بعد هذه المقدمة، فما يلي ذلك اشبه بحديث فتى مزعج يشاهد معك فيلماً للمرة الثانية ويخبرك ان البطل سوف يُقتل بعد لحظات ويطلب منك بعدها التركيز لئلا تفوت المشهد!

من المعروف أن لكل الامم قصص، ولا يمكن ان تنشأ وتنهض أمة بدون ان تخلق رجالاً يثيرون اعجابها وتتجلى فيها اعمال الابطال، وهنا تأتي الملاحم التي تمزج بين الحقائق والخيال، بين الاساطير والبطولات، فقد يوجد فارس يستطيع  في معركة واحدة ان يقتل ٥٠ فارساً، ولكن الاسطورة تضيف بضعة اصفار امام ذلك الرقم، وليس هذا بكذب في عرف الاسطورة ! بل هو فخر الامم الذي يستلزم ان يكونوا الابطال على قدرها.

والملاحم لا يمكن تعريفها الا بان تكون تراجم منظومة شعراً وتفرد نثراً فيما بعد، وهي في كل الامم تكون في اولها شعراً يتغنى بها الناس ويتوارثون ابياتها حتى يأتي من ينظمها ويدونها.

وهاهي أهم الملاحم الكبرى المشهورة في الادب البشري في زماننا هذا:

١-  الالياذة و الأوديسة.

هاتان هما فخر الامة اليونانية التي أولدت فلسفة العالم المدني الاولى وأنجبت علمائها السابقين على غيرهم. وكلا الملحمتين بلغتا من العمر اكثر من ٢٧٠٠ سنة تقريباً.

محور الالياذة هي غضبة “أخيل” بطل اليونان على قومه ثم حميته لهم. وكان قد اعتزلهم في حرب “طرواده” -الحرب الأشهر في تاريخ اليونان- وذلك نقمة على ” أجاممنون” زعيم اليونان الذي غصبه فتاة أسيرة (بنت اخ ملك طرواده-. ولكن القصة لا تتناول على سعتها إلا وقائع الأيام الأخيرة من عشر السنوات التي حاصر فيها اليونان مدينة طرواده. وربما من المناسب هنا ان تشاهد الفيلم الرائع (طرواده) بطولة براد بيت.

اما الاوديسه فهي تروي قصة الملك “أوديسيوس” و-هو بالمناسبة صاحب الفكرة العبقرية “حصان طراوده” التي بها انتصر بها قومه- عند عودته من طروادة والتي تعرض فيها للعديد من الأخطار مع طاقم سفينته طيلة عشر سنوات بعد ان أغضب عليه اله البحر بوسيدون بفقأه لعين ابنه العملاق ذو العين الواحدة! وطوال هذه الفترة تبقى زوجته “بينيلوبي” بانتظاره، ممتنعة عن الزواج، رغم العروض الكثيرة التي تتلقاها، خاصة بعد وصول أغلب المحاربين في حرب طروادة ما عدا زوجها. تنتهي الملحمة بوصوله إلى “إيثاكا” وقيامه بالانتقام من الذين اضطهدوا زوجته بتلك الفترة. وبالنسبة لي فهي اكثر متعة وجموح ادبي من غيرها.

٢- الانياذة

لنقل انها النسخة المقلدة من الالياذة والاوديسة! ولكنها رغم ذلك تعتبر مفخرة الرومان دون منازع، فهي قصة وضعها الشاعر الروماني “فرجيل” بعد ان قضى اثنتي عشرة سنة في تأليفها ومات مريضاً قبل أن يتمها، ليحكي فيها كيف وُجدت روما التي حكمت العالم ذلك الحين، وموضوعها متصل بموضوع الالياذة اليونانية وذلك ان بطلها أنياس أحد حلفاء الطرواديين الذين هزموا من قبل اليونانيون نجح في ان يرحل في جماعة من قومه يرتاد أرضا بعد ارض حتى بلغ قرطاجه وقابل ملكتها ثم ايطاليا حيث أكرمه الملك لاتينوس و زوّجه ابنته ثم استخلفه على الملك. و كان من أعقابه، فيما يقال، روملوس مؤسس رومية.

٣- المهابْهارتَه و الرامايَنا .

أو المشهورة بالملاحم الهندية، والمهابهارته تقارب مائة ألف بيت باللغة سانسكريت، وهى قِصص موصّلة تدور حول تنافس بنى العم من بنى بهارتَه و هما بيتا “كورقَا” و”پاندفا” تنافسوا على الملك، و بعدما تحاربوا ثمانية عشر يوما على أرض كُرُكشِترا فى مملكة متسِيا انتهت الحرب بفناء بيت كورقَا .وتنتهى القصة بزهد الأمراء الباقين أمراء پاندفا، و اعتزالهم العالم، ورحلتهم إلي جنة إنَدرا.

و في الراماينا قرابة ثمانية و أربعين ألف بيت، و معظمها لشاعر واحد. و بطلها راما ابن ملك أوده، ولّاه أبوه العهد فسعت أم أخيه بهراتا حتى عزم الملك على أن ينفيه أربعة عشر عاما. فانصاع راما و عاش في البرّية و أبى أن يرجع حين دعي ليتولى الملك وزهد في ذلك. ثم إن ملك الجن في جزيرة سيلان، و اسمه راقنا. أحب سيتا زوج الأمير راما فحطفها. فذهب راما لاستخلاصها. و أعانه ملك القردة على عبور مضيق سيلان. وكذلك ناصره أخو ملك الجن. و انتهى القتال بأن قتل راما ملكَ الجن، و استولى على مدينته، و أجلس أخا ملك الجن على عرشها. ثم رجع راما و زوجه سيتا ظافرين إلى أوده. اضافة الى حوادث اخرى تتعلق في راما.

٣- جلجامش

ملحمة جلجامش هي ملحمة سومرية مكتوبة بخط مسماري بلغة الاكادية لبلاد مابين النهرين، تحكي عن جلجامش وهو ملك ظالم كانت والدته إله خالداً ووالده بشراً فانياً، وبسبب هذا الجزء الفاني ادرك حقيقة انه لن يكون خالداً فبدأ في رحلة البحث عن الخلود، وقد  خلقت الاله مخلوق هو انكيدو الذي أصبح العدو الاقوى لجلجماش الا ان انتصر عليه بالحيلة فيصبحا صديقين في رحلة البحث عن الخلود الذي استنتج في النهاية ان الخلود بالاعمال لا بالاعمار.

٤- الشاهنامة

تعد الشاهنامة الملحمة الوطنية لبلاد فارس “ايران”، نظمه الفردوسي في عام ١٠٠٠م بأكثر من ٣٥،٠٠٠ الف او ٥٠،٠٠٠ الف بيت من الشعر خلال ثلاثين عاماً، وهو مبني بشكل رئيسي على نسخة نثرية سابقة، كانت تجمع القصص الإيرانية القديمة والحقائق والخرافات التاريخية. وللكتاب عند الفرس مكانة عظيمة وهو سجل تاريخهم، وأناشيد مجدهم، وديوان لغتهم. وقد سماه لسان الدين بن الخطيب قرآن الفرس

وموضوع قصص الالياذة والاوديسة والانياذة وحتى المهابرتا و غيرها من الملاحم الكبيرة هي حوادث متتابعة في سنين قليلة، كقصة واحدة من قصص الشاهنامه- كالحرب بين بنى أفريدون، أو حرب كيكاوس و الجن فى مازندران، أو قصة سهراب و رستم، أو قصة سِياوخش بن كَيكاوُس . فهي على عكسها لا تدور على بطل واحد أو أسرة واحدة أو حرب واحدة بل هى، كما سيأتى، تاريخ أمة من أقدم ما وعت أساطيرها حتى الفتح الإسلامي. و يقول “ثيودور نولدكه” – الذي يعد شيخ المستشرقين الالمان – عنها أنها ملحمة لا نظير لها عند أمة أخرى.

والشاهنامه تجمع معظم ما وعى الفرس من أساطيرهم وتاريخهم من أقدم عهودهم حتى الفتح الإسلامي.تبدأ بالتحدث عن أول البشر وبداية الخلق ثم ترتب ترتيبا تاريخيا: تذكر الأسرة فتبدأ بأول ملوكها تبين تاريخه، وما كان في عهده من الحادثات ثم تذكر الملك الثاني وهلم جرا الى اكثر من ٤٩ ملكاً وعشرات الشخصيات الاخرى من الابطال والاعداء. وبهذا تخالف الملاحم الأخرى، كما تقدّم. ويستمر القصص فيها 3874 سنة تحكم فيها أربع دول.

*

اخيراً، هل لدى العرب ملاحم ؟ حسناً في الادب الحديث هناك بضعة اعمال تتحدث عن نفسها انها ملاحم، وحقيقة لم اقرأ منها ورقة ! فلا استطيع الحكم عليها برغم التشائم الكبير التي اكنه لها، واكثر ما اعتقده يصح انه ملحم فهي غربة بني هلال الاكثر شهرة في عالمنا العربي، ولكن هل لدينا الخامة الصالحة لنظم ملاحم عظيمة ! هذا ما أنا متآكد منه ولكن اين الشاعر الصبور والأديب البارع ! فحضارتنا اتخمت بالمؤرخين الذين ينظرون الى كل قصة بمقاييس التجريح والتدقيق عن ترك حبل الخيال على الغارب ورغم فحول الشعراء في تاريخها الا ان الهجاء والمدح والفخر والرثاء اخذت من ألسنهم اكثر من غيرها من نظم الملاحم، لهذا نشاهد أن الفرس رغم ان لسانهم لايعد قطرة في بحر اللغة العربية قد احسنوا نظم قصة ليلى والمجنون على احسن مايكون وكذلك قصة نبي الله يوسف التي وردت في القرآن. وبقينا نحن نتغنى في القصص الشعبية الى ان أندثر جلها.

نايف الفضلي

خارج النص

خبر عاجل: مقتل سفير

على الرغم من أن العُرف والأخلاقيات الدولية والاتفاقية الأممية نصَّت وبوضوح على حرمة المساس بالدبلوماسيين وعُقِد المؤتمر تلو الآخر في ترسيخ تلك المفاهيم مثل المعاهدة الدولية لمنع الجرائم ضد الأشخاص المحميين دولياً ومنهم الدبلوماسيون التي أقرَّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في الرابع عشر من شهر ديسمبر من عام ١٩٧٣م وأخرى أقرَّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد احتجاز الرهائن في السابع عشر من شهر ديسمبر من عام ١٩٧٩م، إضافة الى فحوى الاتفاقيات التنظيمية لعمل الدبلوماسيين مثل اتفاقيتي فيينا لعام ١٩٦١م و ١٩٦٣م , إلا أن الإرهاب ما زال ينقض كافة العهود ويهدد كل الاتفاقيات فلا وجه له إلّا الشر المُطلق،  وطالعتنا الأخبار العاجلة بمقتل السفير الروسي لدى تركيا / أندريه كارلوف مساء الأثنين الماضي واثار موجة من ردات الفعل المتضادة بين شجب للاعتداء واخرين يضربون الطبول فرحاً وبشرى ! ولكن هل فعلاً مقتل السفير يعد كسباً لجهة وخسارة لجهة اخرى ام هي دماء بريئة اخرى تراق وقد تكون شرارة لحرب تذهب بآلوف الضحايا! شهدت الساحة الدبلوماسية أياماً سوداء طالت معظم السفارات والدول، ففي عام ١٩٧٢م استولى خمسة من العرب على السفارة السعودية في باريس واحتجزوا ثلاث عشرة رهينة، وطالبوا بإطلاق سراح بعض القادة الفلسطينيين المعتقلين في الأردن, وهوجمت السفارة السعودية في طهران واستبيحت في ١٩٨٧م كما أستهدفت مكاتب الخطوط السعودية في كل من فرانكفورت والكويت وكراتشي بعمليات تفجير في عام ١٩٨٨م، وكان هنالك الهجوم على السفارة المصرية في العاصمة الباكستانية إسلام أباد عام ١٩٩٥م التي راح ضحيتها (١٧) من موظفي السفارة وزوارها، وتفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام عام ١٩٩٨م الذي أسفر عن إصابة أكثر من (٥٠٠٠) شخص وقتل (٢١١) آخرين  وذلك من ضمن أكثر من (٤٠) اعتداء على سفارات الولايات المتحدة الامريكية حول العالم، وتم تفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد ٢٠٠٣م الذي نتج عنه مقتل (٢٢) شخصاً، واقتحام القنصلية الأمريكية في جدة ٢٠٠٤م الذي راح ضحيتها (٥) أشخاص جميعهم سعوديين كما أحبطت محاولة أخرى لتفجيرها في عام ٢٠١٦م ، وقُتل سفير جمهورية مصر في بغداد ٢٠٠٥م. وسبقه خطف وقتل سفير الولايات المتحدة الأمريكية في عاصمة أفغانستان كابول في ١٩٧٩م، والسفير الأمريكي في بنغازي ليبيا عام ٢٠١١م وقُتل السفير الفلسطيني لدى الجمهوية التشيكية عام ٢٠١٤م اثر انفجار في مقر اقامته في براغ , وفقدت الدبلوماسية الأردنية رجالها في سفاراتها بأنقرة وبوخارست وبيروت ومدريد وأصيب آخرين في روما والهند في الثمانينيات, وأختطف السفير الأردني لدى طرابلس في عام ٢٠١٤م ، كما اغتيل اثنان من الدبلوماسيين الكويتيين أثناء خدمتهم بالهند في مطلع الثمانينيات الميلادية ايضاً، وقُتل دبلوماسي مصري لدى المكسيك عام ١٩٩٨م  وخُطف أربعة من موظفي السفارة المصرية في طرابلس عام ٢٠١٤م، واغتيل دبلوماسي امريكي في عام ٢٠٠٢م في العاصمة الأردنية عمان. وقُتل آخر مع سائقه المحلي أثناء عودته من احتفالات رأس السنة بعام ٢٠٠٨م في العاصمة السودانية الخرطوم. ووجد دبلوماسياً أسبانياً رفيعاً لدى الخرطوم مقتول في شقته في عام ٢٠١٤م , والقائمة للأسف تحمل الكثير من الأسماء الأخرى الذين ارتكبت الإرهاب وأيادي الغدر الفظائع بحق سفراء وممثلي السلام والدبلوماسية حول العالم في مخالفة صارخة لكافة الأعراف والاخلاقيات والاتفاقيات الدولية.

أنا التاريخ

الإبادة في عصرنا من “مرو” إلى “حلب”

شاهدنا حلب تُستباح وتُقتل أهاليها في الشوارع وتُهدم البيوت على سُكانها وتُقصف المستشفيات ويُدفن فيها المريض والطبيب وسط تخاذل عالمي مقيت وأصوات شجب وندب هنا وهناك، ولكي نفهم لماذا يجرؤ الطاغية على ذلك ولا يخشى لومة لائم علينا أن نتمعن في التاريخ الإنساني المليئ بالمجازر التي أرتكبت من قبل الدول على المستويين الداخلي ضد شعوبها والخارجي ضد الشعوب الأخرى. وإن كانوا يقولون أن التاريخ يكتبه المنتصرون صحيحاً الى حد بعيد، ولكن ليس عندما يأتي الأمر على حساب دماء الملايين من البشر، أن الفظاعات التي ارتكبت أثناء محاولات الإبادة لطوائف وشعوب على أساس قومي أو عرقي أو ديني أو سياسي، صنفت كجرائم دولية تلاحق من قبل المنظمات والشرط الدولية. وللأسف تكبدت شعوبنا الشرق الاوسطية النصيب الاكبر من تقتيل وتشريد منذ الغزو المغولي البربري الذي ماوطئ ارضاً عامرة بالسكان والعمران والا وخرج منها خاوية على عروشها، فدخلوا بلدة “مرو” ذات السبع مئة الف نسمة وخروج منها بعد ان قتلوا سبع مئة الف نسمة، واقتحموا بغداد التي لم يقفوا عندها على افناء البشر وحسب بل دمروا أكثر حضارات العالم اشراقاً حتى أصبح ماء نهري الدجلة والفرات اسود اللون من كثر ما اتلفت فيه الكتب والمؤلفات. وليس ذلك ببعيد عن الاندلس الضائعة التي استباح فيها قوم ايزابيلا ملكة قتشاله دماء المسلمين واليهود حتى لم تعد تحمل الاندلس بين جنباتها الا بقايا الحضارة الاسلامية من بضع حصون وقصور. وصولاً الى القرن العشرين وما قام به النازيون، أثناء الحرب العالمية الثانية، ومانتج عنها من مقتل أكثر من ٨٠ مليون شخصاً !! واضف الى ذلك مجازر الأرمن وسيفو وأن لم تعترف بها دولة تركيا وريثة الامبراطورية العثمانية التي اتهمت بإبادة أكثر من مليون نسمة من الاقليات، وكذلك مجازر سميل بحق آشورين العراق والانفال بحق أكرادها ومذبحة سربرنيتشا بحق مسلمين البوسنة من قبل القوات الصربية والتي وصفها الأمين العام للأمم المتحدة على أنها أسوأ جريمة على الأراضي الاوروبية منذ الحرب العالمية الثانية والتي راح ضحيتها قرابة عشرة الاف بوسني، كما كانت هنالك مجاعة هولودومور بأوكرانيا في ثلاثينات القرن الماضي التي قدرته ضحاياها بقرابة مليوني اوكراني تسبب بها الاتحاد السوفيتي. ولا ننسى مذبحة صبرا وشاتيلا وقرابة اربعة الاف فلسطيني عُزل قتلتهم بدم بارد المليشيات اللبنانية الطائفية بحماية اسرائيلية قادها المقبور شارون في الثمانينيات، وسامت افريقيا بنصيبها من المجازر حيث ابيد مايقارب ٨٠٠ الف في مايعرف بالابادة الجماعية في رواندا بالتسعينات خلال مئة يوم فقط! على اثر انتقام من مجازر لحقت بالمعتدين في بورندي في السبعينات الميلادية وكذلك في السودان في أقليم دافور التي رجحت احصائيات الامم المتحدة وفاة مايقارب ٣٠٠ الف نسمة نتيجة نزاعات العنف والاقتتال الداخلي. وخسرت اليابان أكثر من ٢٠٠ الف من سكانها نتيجة القنابل الذرية التي أسقطت على هيروشيما وناجازاكي من قبل القوات الامريكية في الايام الاخيرة من الحرب العالمية الثانية، ولامفاجأة في ذلك اذا عرفنا ان الدولة الامريكية الحديثة قامت على انقاض ابادة الملايين من الهنود الحمر سكان القارة الامريكية الاصليين وتدمير ثقافتهم وتاريخهم وتهميش وجودهم.

وعلى الرغم من ان الكثير من الاخلاقيين اليوم يتبجحون باننا في عصر حقوق الانسان وهذا صحيح الى حد ما، إلا ان الابادات على مسمع ومرئى من العالم اليوم ولا حياة لمن تنادي، فهاهي سوريا تذبح كل يوم في حماة وحلب وأدلب وأريافها وتستباح مدن العراق من الموصل والفلوجة وتعيث اسرائيل فساداً قتلاً وتدميراً للفلسطينيين ولم تستطع دول حاملة لواء حقوق الانسان ومنظماتها الثرثارة وقف اطلاق رصاصة واحدة ضد الأطفال والنساء والمدنيين. وها هم مسلمين الروهنجيا مستضعفين في الارض ترتكب في حقهم ابشع المجارز والتضييق كل يوم في بورما من قبل القوات البوذية المتطرفة بمشهد من العالم اجمعه ولم ينتصر لهم أحد. على الرغم من جهود بذلت هنا وهناك لمحاكمة مجرمي الحرب واقامت المحاكم الدولية والمنظمات المتخصصة ونشر قوات القبعات الزرق التابعة للأمم المتحدة كقوات محايدة تضمن مراقبة السلام الهش، الا كل ذلك لم تمنع يوماً طاغية من الاستبداد بشعبه وعنف مليشيا حزبية ضد تركيبة سكانية اخرى.

الوضع تعيس ولا يمكن اصلاحها طالما بقي الوضع الدولي الحالي على ماهو عليه من وحدات دولية تحصن نفسها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتتترس خلف السيادة.

نايف الفضلي

خارج النص

حيوانات سياسية

علاقة الانسان بالحيوان قديمة بعمر الازل وقد اتخذها الكثير منهم بالفخر تشبهاً او اعترافاً بقيم عليا ربطوها بها، وتطورت تلك الرمزيات مع مرور الوقت لتمثل عشائر وقوميات وصولاً الى امم ودول، فكان الاسد على سبيل المثال شعاراً سائداً لدى الممالك الأوروبية حتى يومنا الحاضر، ومن يجهل ريتشاد “قلب الاسد” وشعاره الذي تمثل بثلاثة أسود ذهبية فلا يمكن ان يجهل عقاب صلاح الدين الايوبي ورمزية الطيور الجارحة الاكثر عراقة منذ فجر الحضارات، كرمز للقوة والعلية والحرية والتي هي من اكثر الرموز استخداما لدى العرب اليوم. وحقيقة يطيب لي الحديث عن تلك الرمزيات ومدولاتها وجذورها التاريخية اكثر، ولكن أرجئ ذلك لمناسبة اخرى واقتصرها ها هنا على ما اريد ان اصل اليه من رمزيات الدولة الاكثر قوة في عالم اليوم، الولايات المتحدة الامريكية. فهي تحمل اهتمامات الحضارات الماضية في تبجيل رمزية الحيوان والطير. ففي أغلب ولاياتها الخمسين (حوالي ٣٢ ولاية) أعتمدت الحيوانات وبالأخص الطيور كرمز لها، إلى جانب انها ومنذ آواخر القرن الثامن عشر اعتبرت النسر الأصلع الرمز الرسمي للولايات المتحدة الامريكية، الكيان الفيدرالي لجميع تلك الولايات، وقيل ان الاختيار لهذا الطير لعمره الطويل وقوته العظيمة وفخامة منظره والاعتقاد السائد ذلك الحين ان هذا الطائر لايوجد الا في القارة الامريكية فقط. فهو فخر الدولة الامريكية بلا منازع. وقد اتفهم رمزيات اخرى مثل الدب في شعار ولاية كاليفورنيا والخيل لدى ولاية بنسلفانيا والآيل لدى ولاية ميتشيغان وايداهو، ولكن أن يستخدم أكبر حزبين سياسيين شعار الفيل والحمار ! فهذا يستحق التوقف قليلاً.

بداية يجب التوضيح أن استخدام رمزية الفيل والحمار هي امتداد لثقافة امريكية شعبية تؤمن بالرموز جالبة الحظ، لذا فإن الحمار او الفيل يعنيان بها رمزين جالبين الحظ والتفاؤل اكثر مما هو شعار سياسي خالص مثلهما مثل بقية الحيوانات في شعارات الولايات الامريكية والمؤسسات السياسية. وتلك الرمزيات الفريدة تكن اكثر وضوحاً عند استعراض الساحة الرياضية الامريكية، فلدى جميع اندية دوريات الرياضة رموز جالبة للحظ يستدعيها الجمهور اثناء كل مباراة ليس فقط على أعلامهم ومنشوراتهم بل لدمى يرتديها المشجعون او المنظمون للحيوان او الرمز جالب الحظ تتراقص وتستعرض وتضفي اجواءاً حماسية على المشهد الرياضي، على الرغم من أن بعضها من الصعب تصنيفه لشدة غرابته !

ومن المعلوم أن الانتخابات الامريكية تعد أبرز الاحداث العالمية متابعةً وتناولاً لتفاصيلها بمختلف اللغات وعلى جميع وسائل الاعلام المحلية والدولية، واذ كان ذلك يعني شيئاً فهي أهمية نتائج تلك الانتخابات التي تعيد حسابات مختلف النظم والقوى السياسية حول العالم في تصرفها مع النظام الاكثر نفوذاً في العالم. وفي كل موعد انتخابات فإن التنافس الرئيسي يكون بين حزبين سياسين هما الحزب الجمهوري الذي يتقدم الساحة بشعار الفيل واللون الأحمر، والحزب الديموقراطي ذو شعار الحمار واللون الأزرق. وعلى الرغم من تراجع استخدام الرموز على حساب الالوان وشعارات المرشحين الانتخابيين إلا ان حقيقة تحول تلك الرمزيات الى علامات تجارية تدر مئات الملايين من الدولارات يستوقف البحث فيها أكثر.

ويعود رواج كل من رمزيتي الفيل والحمار الى رسام الكاريكاتير الامريكي توماس ناست الذي قام بترميز الحزب الجمهوري بالفيل وتثبيت رمزية الحمار للحزب الديموقراطي (بالمناسبة الرسام توماس ناست كان الرجل خلف شخصية سانت كلوز بشكلها الحالي و شخصية العم سام رمز الامة الامريكية ويعتبر أب الفن الكاريكاتيري الامريكي).

وهنالك عدة اقوال حول حمار الديموقراطيين، البعض يعود بابتكارها الى الرئيس اندرو جاكسون مؤسس الحزب الديموقراطي الذي قام بإستخدام شعار الحمار أثناء حملته الانتخابية في ثلاثينات القرن التاسع عشر عندما اختار شعار «لنترك الشعب يحكم»، وسخر منافسه الجمهوري كثيرا من هذا الشعار ووصفه بأنه شعبوي ورخيص، فما كان من جاكسون إلا أن اختار حمارا رمادي اللون جميل المظهر وألصق على ظهره شعار حملته الانتخابية وقاده وسط القرى والمدن المجاورة لمسكنه من أجل الدعاية لبرنامجه الإنتخابي «الشعبوي» ضد منافسه الذي كان يظهر على أنه نخبوي وليس قريبا من هموم الناس. وقد فاز بالفعل بالرئاسة الامريكية في دورتين متتاليتين. وقيل ان معارضو أندرو جاكسون  قاموا بتحريف اسمه الى “جاكاس” التي تعني الحمار، ويبدو ان مناصريه راق لهم هذا الاسم فأستخدموه بصفة ايجابية في حملاتهم الدعائية كحيوان قوي الارادة وقريب من الناس، ولكن لم يطل استخدام ذلك الشعار كثيراً. ولم يتحول الحمار إلى رمز سياسي للحزب الديمقراطي بشكل واسع النطاق سوى سنة ١٨٧٠م، عندما عمد رسام الكاريكاتير توماس ناست إلى اختيار حمار كرمز للحزب الديمقراطي يتبارز مع فيل جمهوري مذعور. ومنذ ذلك الحين أصبح الديمقراطيون يفخرون بحمارهم، بل ويدللونه عبر تنظيم مسابقات لرسم أفضل بورتريه للحمار الديمقراطي وإطلاق أفضل الشعارات السياسية التي يمكن أن ترافق صورته. والى مطلع القرن العشرين كان الشعار التقليدي للحزب الديموقراطي في كل من انديانا وكنتاكي واكلاهوما و واهايو هو “الديك” في مقابل الرمز الجمهوري “النسر الامريكي”

وظهر الفيل كشعار للحزب الجمهوري عام ١٨٧٤م عندما قام رسام الكاريكاتور الأميركي الشهير توماس ناست وكان يقصد بها السخرية من زملائه بالحزب بعد خسارتهم في مجلس النواب لصالح الاغلبية من الحزب الديموقراطي. وفي السنوات اللاحقة، واصل ناست تطوير قصة الحمار والفيل، حتى أصبح هذان الرمزان معروفين في الولايات المتحدة برمتها للإشارة إلى المتنافسيْن السياسييْن الأبدييْن.

ختاماً، لم يعد يعني رمزية الفيل بأنه يمثل القوة او الوزن الثقيل او الهدوء او يعني الحمار بالشعبية والصبر والجلَد في تمثيلهما للحزبين السياسين ، بقدر ماهي شعارات جوفاء لاتتجاوز كونها رموزاً جالبة للحظ بمثلها مثل دين بقية الكيانات الامريكية التي أضحت تتبنى مثل تلك الرمزيات. والغلبة في السياسة الامريكية لم تكن يوماً مرتبطة برمز الحزب أكثر مما هي برامج مهولة وشبكة معقدة من المصالح تمتد على طول وعرض القارة الامريكية.

خارج النص

اللجوء إلى السفارات

عندما يُلاحق فردٌ ما من قبل سلطات بلده نتيجة ممارساته السياسية أو الدينية أو الأخلاقية، وتُهدد حياته بالموت أو السجن الغير نظامي دون توفر قوانين واضحة يلجأ إليها لإنصافه أو غياب ضمانة تطبيق تلك القوانين، فإن الطريق الأول لنجاته هو الهروب إلى خارج البلاد، ولكن ومع وجود رقابة حديثة وصارمة ترصد تحركات سفر المواطنين وخصوصاً ممن أثاروا غضب حكوماتهم، فإن هذه المهمة تصبح شبه مستحيلة. وإن لم يتمكن من ذلك فالطريق الوحيد المتبقي له هو الذهاب إلى سفارة إحدى الدول التي ستحميه.

 وهناك قضيتان جاريتان لا نزال نعيش أخبارهما حتى يومنا هذا، الأولى منهما هي لجوء الاسترالي “جوليان أسانج” إلى سفارة الإكوادور في لندن منذ أكثر من أربع سنوات،  والثانية هي سفر “إدوارد سنودن” إلى هونج كونغ التي لا تربطها اتفاقيات لتبادل المطلوبين مع الولايات المتحدة الأمريكية وفضحه للمخابرات الأمريكية في تجسسها على الملايين حول العالم ومن ثم تقدم بطلب اللجوء إلى قرابة 27 دولة، منهم روسيا التي وافقت على استضافته فسافر إليها وحظيَ باللجوء السياسي، ومازالت قضيته تُثار في الإعلام الأمريكي من حينٍ لآخر.

اللجوء للسفارات هي فكرة قديمة بقدم الدول والإمبراطوريات، عرفها المصريون القدماء والإغريق وأوروبا الحديثة. فـ”ديكارت” لجأ إلى هولندا و”فولتير” و”هوبز” إلى فرنسا و”كارل ماركس” إلى بريطانيا و”دلاي لاما” إلى الهند، في ظروف متشابهه وهي الهرب من ملاحقة سلطات بلادهم  لهم، إلى دول تمنحهم الحصانةً وحرية التعبير.

وهنا لا أتحدث عن اللاجئين النازحين نتيجة ظروف قهرية على شكل جماعات، والتي نظمتها اتفاقيات وبروتوكولات عديدة كيفية التعامل مع التدفق الهائل من السكان إلى البلاد المستضيفة، ولكن حق اللجوء المقصود هنا هو ما يختص باهتمامات الأفراد فرادى، والذي يدرس كل حالة على حدا، وهو امتداد لثقافة عربية ضاربة في القدم وهي “الاستجارة” وتعني بتقديم الحماية للمستجير إذا وافق صاحب البيت، وتاريخ العرب في حقب ماقبل الإسلام مليءٌ بشواهد ذلك، فكانت القبائل تذهب إلى الحرب بأبنائها وأموالها للدفاع عن حق الاستجارة لفرد خائف من بطش ملك أو قبيلة أٌخرى.

وقد عرّف العرب الإستجارة على أنها “إعطاء الأمن لملهوف فرَّ إلى دار الأمان، نتيجة اضطهاد وظلم أو وضع سيئ يمكن أن يتعرض له”، وقد طلبت قبيلة قريش من أبي طالب عمّ النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- تسليمهم إياه فرفض الشيخ الجليل قائلاً:

pastedGraphic.png

كذلك حاز المهاجرون الأوائل في الحبشة على حماية النجاشي فرفض تسليمهم لمبعوثي قريش.

وفي اجتماع مجلس أورليان بحضور أول ملوك الفرنكيين “كلوفيس الأول” عام 511م منح حق اللجوء والحصانة لأي فرد يدخل إلى حمى الكنيسة أو بيت الاسقف حتى القتلة والسارقين، واستمرت الأنظمة الأوروبية في تطوير ذلك التبجيل للكنائس وتقنين عُرف الجوء إليها حتى عهدٍ قريب.

وأغلب حالات اللجوء السياسي قديماً وحديثاً تتطلّب وجود الفرد في دولة الحماية بالأصل، فيحصل حينها على اللجوء السياسى. ولكن كما أسلفنا سابقا لا تتوفر للجميع فرصة مغادرة بلادهم إلى بلاد أخرى طلبا للجوء، إمّا خشيةَ القبض عليهم أو مداهمة الخطر لهم بشكل مباشر وعاجل مما لم يتح لهم وقتاً كافياً للسفر أو عدم توفر إمكانية ذلك لسبب آخر، وحينها يطرق الأفراد أبواب السفارات الدبلوماسية بحثاً عن لجوء سياسي.

فالسفارة والممثلية الدبلوماسية وبحسب الأعراف والمواثيق الدولية هي تراب أجنبي يتبَع الدولة الموفدة، وبالتالي فبمجرد أن يخطو الفرد -أياً كان- عتبة الممثلية الأجنبية فهو قانونياً في دولة مختلفة لاتملك الدولة المضيفة صلاحية فرض قوانينها الداخلية عليها، وتلك الممارسات مازالت محلَّ نقاشٍ حامٍ بين المتهمين بالقانون الدولي والقانون الدبلوماسي على وجه الخصوص.

ولنا في قضية “أسانج” صاحب موقع “ويكيليكس” الشهير خير مثال، حينما لجأ إلى سفارة الإكوادور في لندن بعد أن كان محتجزاً في منزله بقرار من السلطات البريطانية إثرَ بلاغٍ تقدمت به السلطات السويدية تتهم فيه أسانج بالإغتصاب، والتي قيل أنها مجرد مكيدة لتسليمه إلى الولايات المتحدة الأمريكية الغاضبة من تسريب منظمته لملايين الوثائق الحساسة بها. ولكن “أسانج” قام بكسر ذلك الحكم القانوني بالهروب إلى سفارة الإكوادور وتقدم بطلب اللجوء السياسي لديها وهو ما منحته إياه فيما بعد، ولكن بريطانيا رفضت أيَّ تسوية وأصرت على القبض عليه، وعلى الرغم من تهديد الحكومة البريطانية بأنها سوف تستخدم القرار البرلماني “Diplomatic and Consular Premises Act 1987” الذي يتيح لها نزع الصفة الدبلوماسية عن مقار بعثات الدول الأخرى -والذي أُقرَّ إثرَ مقتل شرطيّة بريطانية بإطلاق رصاص من داخل السفارة الليبية عام 1848م- والتلويح بأنها سوف تدخل بذلك إلى سفارة الإكوادور لاعتقال “أسانج”. ولكنها سرعان ما تراجعت عن ذلك بعد تصريحات شديدة اللهجة من قبل وزير خارجية الإكوادور ورئيسها بأن هذا اعتداء صريح على القانون الدولي وبروتوكلات معاهدة فيينا. واستمر الحال على ماهو عليه مع تعهد مستمر من قبل السلطات البريطانية باعتقال “أسانج” بمجرد خروجه من مقرِّ البعثة، وقامت بتجهيز قوات شرطة قرب المقر على مدار الساعة، إلا أنه وبعد عدة سنوات من ذلك وتكاليف قاربت العشرة ملايين باوند، سحبت بريطانيا تلك القوات المكلّفة ولجأت إلى محاولة أخرى للضغط على البعثة الإكوادورية منها التهديد بقطع خدمات الإنترنت عنها إذ لم يتوقف “أسانج” عن الدخول إلى الإنترنت باستخدام شبكتها، وهو ما وافقت عليه البعثة الإكوادرية بعد شبهات بتدخل “أسانج” في الإنتخابات الأمريكية الأخيرة.

وعلق سفير بريطاني سابق على قضية “أسانج” بسؤال وهو: هل الإكوادور وأسانج على استعداد للعيش المشترك لخمسة عشر عام؟! في إشارة ساخرة لقضية الكاردينال József Mindszenty الذي قضى خمسة عشر عاماً لاجئاً في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في المجر بعد الاجتياح السوفيتي، حتى صدرت موافقة لمغادرته الأراضي المجرية الى فيينا.

وعلى الرغم من أن جميع الدول لاتشجع على اللجوء في مبانيها الدبلوماسية في الخارج كالولايات المتحدة مثلا والتي لا تمنح اللجوء إلا للأجانب الموجودين فعلياً في الولايات المتحدة بحسب القانون الأمريكي، إلا أن هذا لا يمنع وجود عشرات الحالات من اللاجئين السياسيين في مختلف البعثات الدبلوماسية حول العالم، وتلك البعثات لا تستقبل طلبات اللجوء إلى حرمها بأذرع مفتوحة، بل في حال وضعت في مثل هذه المواقف الحرجة فإنها تحاول بذل قصارى جهدها للتوصل إلى حل مُرِضٍ والتخلص من التزام قد يمتد لأسابيع أو أشهر قبل العودة للقيام بأعمالها التقليدية وما يصاحب ذلك من توتر سياسي مع الدولة المُضيفة، وهو وضع ليس مريح للاجئ السياسي أيضاً، فلربما يتوفر لدى البعثات مطابخ وصالات ضيافة ولربما يتوسطها مجمع سكني لموظفي البعثة وبالتالي تكون هنالك خدمات متكاملة، إلا أن أغلب البعثات الدبلوماسية تفتقر إلى ذلك فهي مجرد مكاتب مصفوفة جنباً إلى جنب، ولا يصلها ضوء النهار كما يجب، وهذا ما يجعل إقامة اللاجئ مزعجة للطرفين. وفي أغلب حالات اللجوء يتفاوض بلد الممثلية الدبلوماسية مع الدولة المُضيفة لضمانِ سلامة اللاجئ، والتي تنتهي غالبا بالموافقة على إبعاده من أراضيها

 ولك أن تتخيل أن هنالك من قضى السنين قابعاً في سجن مخمليٍّ  محاصراً ومضيقاً عليه في كل شيء دون أن يخطو خارج مقر البعثة بمتراً واحداً خوفاً من مصير مجهول ينتظره خلف أبواب هذه البعثة.

وتستطيع الاستزادة أكثر حول قائمة اللاجئين الى السفارات من خلال هذا الرابط

file-page1

خارج النص

جنسيات للبيع

حينما تكن ثرياً تستطيع بيسر أن تشتري سيارة فاخرة، أو طائرة خاصة، أو حتى يخت، ولكن من كان يعتقد أن الجنسية الوطنية سلعة ايضاً ؟

فطالما ساد الاعتقاد بأن اكتساب جنسية دولة ما يكون بأحدى أثنين اما بالميلاد أو الزواج ، ولكن ماذا عن الاكتساب اللاحق للجنسية ؟  توفر معظم دول العالم طرق أخرى لأكتساب جنسيتها بدأً من الاقتران برابطة الزواج لأحد مواطنيها الى شراء الجنسية بطريقة غير مباشرة. وحديثي هنا عن الدول التي تتيح لك “شراء جواز سفر أجنبي” سواء أن اشتمل ذلك على حق التمتع بالمواطنة الكاملة او حقوق جزئية. وبالطبع فأن أحد اهم الاسباب خلف اتجاه الناس لشراء جوازات أجنبية حقيقية هي مايتيحه ذلك من حرية تنقل ودخول دون تأشيرة لعشرات من الدول وحتى العمل فيها لايمكنهم بذلك جوازات بلدناهم الأصلية.

فكثير من دول العالم تتيح للأفراد فرصة شراء جنسيتها وفق برامج الجنسية الاقتصادي او الجنسية مقابل الاستثمار، تلك البرامج تسمح للناس وغالباً من الدول النامية التمتع بميزات السفر والاقامة والعمل لدى الكثير من دول العالم المتقدمة مقابل اسهام فعال في استثمار رؤوس اموالهم في تلك الاقتصاديات.

فجواز جمهورية بلغاريا الذي يتربع على المرتبة الثامنة والثلاثين في قائمة أفضل جوزات السفر لعام ٢٠١٦م يتيح لحامله حرية السفر دون تأشيرة الى ١٥٣ بلداً حول العالم تشمل جميع دول الاتحاد الأوربي بجانب حق الإقامة والعمل بها، ولكن ليس الولايات المتحدة الأمريكية، بعكس الجواز المالطي الذي يسمح بذلك بالاضافة ١٦٧ دولة اخرى. ويستطيع الأجنبي الحصول على الجنسية البلغارية بإستثمار مبلغ وقدره ٥١٢،٠٠٠ يورو في المستندات الحكومية يستحصل فيها على حق الإقامة، بعد ذلك بسنة يستطيع استثمار مبلغ مماثل في مستندات حكومية اخرى لمنحه الجنسية، والخيار الآخر هو استثمار ١،٢ مليون يورو لمدة خمس سنوات لدى الحكومة بدون أرباح مستحصلة ويستطيع بعد ذلك استعادتها.

ومالطا بالمناسبة تتيح الحصول على جنسيتها مقابل إستثمار مليون يورو تقريباً خلال سنة واحدة مسبقة للتأهل لذلك. بينما جمهورية قبرص الواقعة بجزيرة في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط فإنها تسمح بالحصول الفوري على الجنسية مقابل استثمار ١،٨ مليون يورو!

والكثير يستهدف الجزر الكاريبية حيث مازال تستقطع حصة الأسد من نصيب هذه السوق الرائجة، فكل من دولة جزيرة انتيجوا وبابودا ودولة سانت كيتس ونيفيس التي تمتلك أقدم برنامج بيع الجنسية مقابل الاستمثار منذ عام ١٩٨٤م ودولة جريندا تتح الحصول على الجنسية الفوري مقابل ١٨٨ ألف يورو! ولكنهم يخضعون لتهديد حقيقي من أحدث المنافسين في السوق جارتهم دولة الدومينيكان التي تعرض ذلك بسعر ٧٥،٠٠٠ يورو فقط.

 وقد تتفاجئ بأن البلد الأكثر اقبالاً لعيش “الحلم” الولايات المتحدة الأمريكية لديها برنامج مماثل! فهي تتيح للأجانب الحصول على حق الاقامة الدائم المخول للجنسية تحت بند يدعى “EB 5 Visa” مقابل استثمار ٥٠٠ ألف دولار أمريكي ، ولكن بعد سبع سنوات وإقامة متواصلة لمدة ست أشهر للتأهل لذلك.

بجانب أن البلد الآخر الأكثر شعبية وهي المملكة المتحدة تتيح مدة أقل بسنة واسثتمار مبلغ مقارب يبلغ ٢ مليون يورو. وإذا ما أراد الفرد اختصار المدة الى خمس سنوات مع الحصول على جواز دولة من العالم الأول فالجنسية الاسترالية التي تبلغ قيمتها بالاستثمار بمبلغ يقارب ٣ مليون يورو خياراً معقولاِ لدى البعض!

وإذا ماذهبنا الى الجزء الشرقي من العالم فجمهورية سنغافورة تتيح مقابل استثمار ١،٣٩ مليون يورو وانتظار لعامين الحصول على جنسيتها وهي احدى أقوى جوازات السفر حول العالم ومن القائمة الأولى التي تسبق حتى الجواز الأمريكي. وهنالك ايضاً خيارات اخرى مثل  فرنسا والبرتغال وإيرلندا واليونان والمجر وأسبانيا وسويسرا ونيوزلندا. والمزيد ينضمون للقائمة كل سنة.

ولكن، مالذي يجعل المهتم الحقيقي يقرر اختيار شراء جنسية دون أخرى ؟ هنالك عدة ميزات تختلف بإختلاف تلك الدول، فالبعض يحرص على عدد الدول التي يستطيع ان يدخل بها دون تأشيرة ، بالتالي فإن جنسيات كل من فرنسا وسويسرا وأسبانيا والمملكة المتحدة تشكل الخيار الأول له وهذا الاخير يتيح له حرية الدخول الى ١٧٥ بلداً بدون تأشيرة.

وإذا ماكان المعيار هو الأرخص، فلا شك بأن الدول الكاريبية تترأس القائمة، كما هي ايضاً لمن لايمتلكون وقتاً لأنتظار الحصول على الجنسية بجانب مالطا، حيث تشترط كثير من الدول الاخرى فترات انتظار طويلة وفترات اقامة بالأشهر. والبعض يستهدف دخول دول معينة مثل الولايات المتحدة الامريكية، فالأنسب له ان يتقدم للحصول على جنسيات الدول التي تربطها اتفاقيات الإعفاء مثل استراليا واليونان والمجر ومالطا والبرتغال من ضمن ٣٨ دولة. بالطبع ففي كل تلك الحالات، فالأموال التي يدفعها الفرد تعد استثماراً له من المفترض ان تدر عليه دخلاً بشكل أو بآخر، بل قد تشكل للعديد من أصحاب جوازات الدول الصناعية الأولى عامل جذب قوي للتنازل عن جنسياتهم الاصلية والاكتفاء بالجنسية الجديدة، فمؤخراً دشنت روسيا نظاماً مشابهاً مقابل الاستثمار في تأسيس شركات ودفع ضرائب قليلة مع توظيف حد ادنى من المواطنين الروس للحصول على جنسيتها، حينها بدأ صاحب الشركة الامريكي الذي يبلغ دخله السنوي ٣٠٠ الف دولار والذي تستقطع منها الحكومة ضرائب تبلغ ٦٠ الف دولار يفكر بجدية بأن يذهب بشركته الى روسيا ويحصل على  نفس الدخل مع ضرائب اقل من ٣٠ الف دولار.

من جانب اخر فهذا لا يعني ان ليس هنالك عدة دول اخرى تمنح جنسياتها لمن يدفع المبلغ المناسب، ولكن بشكل سري ومخالف للقوانينها الدستورية، وخاصة الدول الافريقية التي تعد سوقاً منتعشة لذلك.

وإذا مانظرنا الى أن البرنامج الإقتصادي لبيع الجنسية في جزيرة سانت كيتس ونيفيس تشكل ٢٥٪ من الناتج المحلي الاجمالي في عام ٢٠١٣م نتفهم الدافع وراء تبني الحكومات تلك البرامج.  ففي عام ٢٠١٤م أنفق الأفراد أكثر من ٢ مليار دولار في اقتناء الجنسيات حول العالم وذلك بحسب شركة هينلي وشركائه للاستشارات والمتخصصة في سوق الجنسية والإقامة.

ختاماً، لاتنخدع من دعايات بيع الجنسيات عبر المواقع الالكترونية والتواصل الاجتماعي، فحصولك على جواز سفر حقيقي وشرعي يتطلب اجراءات حكومية واضحة لايمكن القفز عليها او عبر توفير التكاليف لشراء جواز بثمن بخس ويتضح لاحقاً ان لاقيمة له بل قد يدينك بجريمة خطيرة كالتزوير!.

 list-page-001.jpg

 

أنقر هنا لتحميل ملف PDF لقائمة أفضل جوازات السفر في حرية التنقل حول العالم

نايف الفضلي