الدبلوماسية

من دروس غازي القصيبي

قلة من الأشخاص الذي لست بحاجة للتعريف بهم أكثر من الاسم الأول والأخير، والأندر من هؤلاء، أن يُعرف بأسمه الأول وحسب. فأذا أتفقنا أن هنالك أبوبكر واحد فقط، ومعاوية، والملك عبدالعزيز، وشكسبير وتشرشل وميكافيلي وصلاح الدين، إذا هنالك غازي منفرد. السفير والأكاديمي. الشاعر والأديب والوزير، رجل النهضة منذ السبعينات إلى حين وفاته رحمه الله وهو على رأس الوظيفة وزيراً للعمل. فمن ذا يجهل غازي ؟!

له نتاج فكري متعدد وثري في الشعر والقصة والرواية والإدارة والصحافة، قلما تجد أحداً يبغتي النجاح المهني لم يقرأ لغازي. وكوني معجب صغير في فلك جمهوره، أحببت أن اقتنص من تجربة السفير “القصيبي” في كتابه حياة في الإدارة،  وأقطف منها بضع دروس وملاحظات ونصائح للدبلوماسين؛ النشء منهم والمخضرمين ، لعل أحد من القراء يهتدي بها أيضاً.

(١) من المهم الا يتم تعيين السفراء السياسيين لمجرد مكافاة الشخص، يجب أن يظل الأساس هو الاستعانة بالسفراء المحترفين، وأن تبقى نسبة السفراء السياسييين ضمن حدود مقبولة، الربع على أكثر تقدير.

(٢) مهمة السفير في الدولة الصديقة، غير مهمة السفير في الدولة العدوة، غير مهمته في الدولة الصديقة التي توشك أن تصبح عدوة، أو الدولة العدوة التي توشك أن تصبح صديقة.

(٣) يُحسن بالدولة أن توفد الى الدولة المحافظة رجلاً محافظاً، وأن توفد الى الدولة العدوة رجلاً صلب المراس، وأن ترسل الى دولة “الجهات المختصة” رجلاً من “الجهات المختصة”.

(٤) أن الحكم على سفير ما بالنجاح أو الفشل أمر صعب، وقد يكون مستحيلاً.

(٥) لا يوجد سفير لكل الفصول.

(٦) لا يبدو من عمل السفير أمام الناس سوى جزء بسيط شبيه برأس الجبل الجليدي العائم على الماء.

(٧) يسمع الإنسان العادي تعبير “السفير المفوض فوق العادة” مما يوحي بأن هناك “سفراء عاديين وسفراء فوق العادة” . حقيقة كل السفراء متساوون قانوناً، وتعبير “فوق العادة” إرث من الماضي لم يعد له الآن أي معنى.

(٨) مهمة السفير في كل الظروف والأحوال أن ينقل بأمانة ووضوح موقف دولته بصرف النظر عن ردود الفعل التي يتلقاها. السفير الذي يتطوع “بتجميل” هذا الموقف يفرط في الأمانة. والسفير الذي يقول لمضيفيه ما يريد مضيفوه أن يسمعوه يتخلى عن الأمانة نهائياً. 

(٩) لا توجد خصلة تضر بعمل السفير مثل الكذب.

(١٠) لا ينبغي لعواطف السفير الشخصية، وهو إنسان يحب ويكره كسائر البشر، أن تدخل، على أي نحو، في أداء مهمته.

(١١) على السفير أن ينسى، تماماً، وضعه الوظيفي السابق في دولته، وأن ينسى، كلية، وضع زملائه السفراء الوظيفي في دولهم، وأن يتعامل مع الجميع من منطلق المساواة التامة بلا مُركب عظمة أو مُركب نقص.

(١٢) في كل مهنة هناك خطر مهني، وخطر الدبلوماسية المهني هو الحساسية.

(١٣) لا تسمح أن تلحق أي إهانة بدولتك ولكن تذكر أن الإهانة بطبيعتها عمل مقصود.

(١٤) قبل أن تفكر في تقوية العلاقات الثنائية حاول جهدك ألا تسيء إليها.

(١٥) عندما يكون عدد الموظفين صغيراً فلا مبرر لتعقيد الوضع بتنظيم هرمي.

(١٦) لو أستجبت لكل دعوة تصلك ستجد نفسك تعمل كل يوم حتى منتصف الليل.

(١٧) معظم الذين يوجهون الدعوات الى السفراء يرسلونها بطريقة روتينية دون أن يتوقعوا حضورهم، أو حضور معظهم.

(١٨) اقبل عدد صغير من الدعوات كحفلات اليوم الوطني، ومآدب الدولة الرسمية، والمناسبات التي تحتوي على عنصر وطني، كإفتتاح شركة وطنية – محلية.

(١٩) في الولايات المتحدة لا بد أن يبدأ الخطاب، كل خطاب، بطرفة أو تعليق طريف، وفي اليابان يستسخف الناس محدثاً يلقي عليهم النكت.

(٢٠) لا تقابل أحداً الا بموعد مسبق، ماعدا من كان بحاجة فعلية إلى المقابلة. في هذه الحالة يحدد له موعد على الفور.

(٢١) من التقاليد الجيدة أن يكون لكل سفارة ديوانية للسفير يجتمع فيها الكل في جو بعيد عن العمل، واتاحة فرصة للمواطنين مقابلة السفير بلا موعد.

ختاماً، الكثير منا لم يعرف غازي إلا من خلال ما نشره بنفسه، وهي مقالات وكتب، تحتوي على وصايا ثمينة كالمصباح في دروب العتمة، ولكن العتب كما هو الرجاء على من عايش السفير في محطاته المختلفة -وهم بدون شك العشرات من رجالات الدولة اليوم- بأن لا يتأخر في مشاركتنا نحن عموم الجمهور، فيما قد أطلع عليه واستفاد منه وأهتدى به من مدرسة غازي القصيبي.

خارج النص

خبر عاجل: مقتل سفير

على الرغم من أن العُرف والأخلاقيات الدولية والاتفاقية الأممية نصَّت وبوضوح على حرمة المساس بالدبلوماسيين وعُقِد المؤتمر تلو الآخر في ترسيخ تلك المفاهيم مثل المعاهدة الدولية لمنع الجرائم ضد الأشخاص المحميين دولياً ومنهم الدبلوماسيون التي أقرَّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في الرابع عشر من شهر ديسمبر من عام ١٩٧٣م وأخرى أقرَّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد احتجاز الرهائن في السابع عشر من شهر ديسمبر من عام ١٩٧٩م، إضافة الى فحوى الاتفاقيات التنظيمية لعمل الدبلوماسيين مثل اتفاقيتي فيينا لعام ١٩٦١م و ١٩٦٣م , إلا أن الإرهاب ما زال ينقض كافة العهود ويهدد كل الاتفاقيات فلا وجه له إلّا الشر المُطلق،  وطالعتنا الأخبار العاجلة بمقتل السفير الروسي لدى تركيا / أندريه كارلوف مساء الأثنين الماضي واثار موجة من ردات الفعل المتضادة بين شجب للاعتداء واخرين يضربون الطبول فرحاً وبشرى ! ولكن هل فعلاً مقتل السفير يعد كسباً لجهة وخسارة لجهة اخرى ام هي دماء بريئة اخرى تراق وقد تكون شرارة لحرب تذهب بآلوف الضحايا! شهدت الساحة الدبلوماسية أياماً سوداء طالت معظم السفارات والدول، ففي عام ١٩٧٢م استولى خمسة من العرب على السفارة السعودية في باريس واحتجزوا ثلاث عشرة رهينة، وطالبوا بإطلاق سراح بعض القادة الفلسطينيين المعتقلين في الأردن, وهوجمت السفارة السعودية في طهران واستبيحت في ١٩٨٧م كما أستهدفت مكاتب الخطوط السعودية في كل من فرانكفورت والكويت وكراتشي بعمليات تفجير في عام ١٩٨٨م، وكان هنالك الهجوم على السفارة المصرية في العاصمة الباكستانية إسلام أباد عام ١٩٩٥م التي راح ضحيتها (١٧) من موظفي السفارة وزوارها، وتفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام عام ١٩٩٨م الذي أسفر عن إصابة أكثر من (٥٠٠٠) شخص وقتل (٢١١) آخرين  وذلك من ضمن أكثر من (٤٠) اعتداء على سفارات الولايات المتحدة الامريكية حول العالم، وتم تفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد ٢٠٠٣م الذي نتج عنه مقتل (٢٢) شخصاً، واقتحام القنصلية الأمريكية في جدة ٢٠٠٤م الذي راح ضحيتها (٥) أشخاص جميعهم سعوديين كما أحبطت محاولة أخرى لتفجيرها في عام ٢٠١٦م ، وقُتل سفير جمهورية مصر في بغداد ٢٠٠٥م. وسبقه خطف وقتل سفير الولايات المتحدة الأمريكية في عاصمة أفغانستان كابول في ١٩٧٩م، والسفير الأمريكي في بنغازي ليبيا عام ٢٠١١م وقُتل السفير الفلسطيني لدى الجمهوية التشيكية عام ٢٠١٤م اثر انفجار في مقر اقامته في براغ , وفقدت الدبلوماسية الأردنية رجالها في سفاراتها بأنقرة وبوخارست وبيروت ومدريد وأصيب آخرين في روما والهند في الثمانينيات, وأختطف السفير الأردني لدى طرابلس في عام ٢٠١٤م ، كما اغتيل اثنان من الدبلوماسيين الكويتيين أثناء خدمتهم بالهند في مطلع الثمانينيات الميلادية ايضاً، وقُتل دبلوماسي مصري لدى المكسيك عام ١٩٩٨م  وخُطف أربعة من موظفي السفارة المصرية في طرابلس عام ٢٠١٤م، واغتيل دبلوماسي امريكي في عام ٢٠٠٢م في العاصمة الأردنية عمان. وقُتل آخر مع سائقه المحلي أثناء عودته من احتفالات رأس السنة بعام ٢٠٠٨م في العاصمة السودانية الخرطوم. ووجد دبلوماسياً أسبانياً رفيعاً لدى الخرطوم مقتول في شقته في عام ٢٠١٤م , والقائمة للأسف تحمل الكثير من الأسماء الأخرى الذين ارتكبت الإرهاب وأيادي الغدر الفظائع بحق سفراء وممثلي السلام والدبلوماسية حول العالم في مخالفة صارخة لكافة الأعراف والاخلاقيات والاتفاقيات الدولية.

خارج النص

هل ينقرض الدبلوماسيون في زمن العولمة! | تعليق المحرر

هل ينقرض الدبلوماسيون ؟ كان هذا السؤال محط  محاضرة الدكتور الراحل غازي القصيبي في طرح إشكاليات جديدة تواجه الدبلوماسي التقليدي مصحوبة بنقد حاد تارة وبآمال جذابة تارة أخرى, لاشك بإن ماذهب إليه الراحل غازي القصيبي وهو الرجل الحجة في الإدارة والخبير الدبلوماسي يلامس الكثير من الواقع بلاشك,  فكما يقول: “على الدبلوماسية أن تعيد صنع نفسها, لا يمكن للدبلوماسية أن تواجه التحديات الجديدة بالمهارات القديمة” يمثل خلاصة موقف اتفق معه بكل المقاييس بل هي قراءة طبيعية يصعب الاعتراض عليها.

متابعة قراءة “هل ينقرض الدبلوماسيون في زمن العولمة! | تعليق المحرر”